الحصاد المائي لمواجهة العجز في الكرك

في محافظة الكرك، لا تبدو أزمة المياه مجرد انقطاع دوري أو شكوى موسمية، بل أزمة هيكلية تتسع فجوتها عامًا بعد عام، مدفوعة بارتفاع الطلب وتراجع الموارد وارتفاع نسب الفاقد، مقابل بطء نسبي في تنفيذ حلول استراتيجية مستدامة. الأرقام هنا لا تترك مجالًا للتأويل؛ فهي ترسم صورة واضحة لاختلال عميق بين ما هو متاح وما هو مطلوب.

تشير تقديرات دراسات مائية متخصصة إلى أن العجز المائي في الكرك بلغ نحو 5.25 مليون متر مكعب سنويًا في السنوات الماضية، مع توقعات بارتفاعه إلى ما يزيد على 7 ملايين متر مكعب سنويًا بحلول عام 2030. هذا العجز لا يعكس فقط محدودية الموارد الطبيعية، بل يكشف أيضًا عن فجوة في كفاءة الإدارة، خصوصًا مع استمرار ارتفاع الفاقد المائي في الشبكات، سواء نتيجة التسرب أو الاعتداءات، وهو ما يعني أن جزءًا معتبرًا من المياه لا يصل أصلًا إلى المستهلك.

المتاح المائي في المحافظة يعتمد بشكل رئيسي على المياه الجوفية وبعض مصادر الحصاد المائي والسدود، وهي موارد تتسم بالتذبذب والتراجع تحت ضغط الاستهلاك المتزايد. في المقابل، يستمر الطلب في الارتفاع مدفوعًا بالنمو السكاني والتوسع الزراعي، ما يضع النظام المائي تحت ضغط مستمر، ويجعل العجز حالة مزمنة لا استثنائية.

ضمن محاولات المعالجة، برزت مشاريع السدود كخيار لتعزيز التخزين المائي، ويأتي في مقدمتها سد وادي الكرك الذي يجري العمل على رفع طاقته التخزينية إلى نحو 25 مليون متر مكعب، إلا أن الإسهام الفعلي لمثل هذه المشاريع في سد الفجوة يبقى محدودًا مقارنة بحجم العجز، إذ إن كميات المياه التي يتم حصادها سنويًا لا تزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية للمحافظة.
في هذا السياق، يبرز مشروع سد المأمونية كفرصة يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن المائي إذا ما تم تنفيذه ضمن رؤية متكاملة، إذ يمكن لهذا السد أن يلتقط مياه السيول ويعيد تغذية الأحواض الجوفية ويخفف الضغط عن المصادر التقليدية، لكن جدواه الحقيقية ستظل مرهونة بدمجه في منظومة إدارة متكاملة، لا باعتباره حلًا منفردًا.

عوني ذنيبات

الأزمة في جوهرها تتجاوز مسألة الشح الطبيعي، فهي نتاج تداخل عوامل متعددة، من بينها التغير المناخي وتذبذب الهطول المطري، والاعتماد المفرط على المياه الجوفية واستنزافها، إلى جانب ضعف استغلال المياه المعالجة وغياب كفاءة إدارة الطلب. كما أن استمرار الفاقد المائي بنسب مرتفعة يحول دون الاستفادة الكاملة من الموارد المتاحة، ما يفاقم الفجوة بين العرض والطلب.

الحلول الممكنة لا تبدو غامضة، لكنها تتطلب إرادة تنفيذية حازمة، تبدأ بخفض الفاقد عبر تحديث الشبكات ومراقبتها بوسائل حديثة، مرورًا بالتوسع في مشاريع الحصاد المائي والسدود الصغيرة والمتوسطة، وصولًا إلى تعظيم استخدام المياه المعالجة في الزراعة بدل استنزاف المياه العذبة. كما أن تحسين كفاءة الري وتوجيه الأنماط الزراعية نحو محاصيل أقل استهلاكًا للمياه يمكن أن يسهم بشكل ملموس في تخفيف الضغط، إلى جانب ربط المحافظة بالمشاريع الوطنية الكبرى في مجال نقل وتحلية المياه مستقبلًا.

في المحصلة، فإن العجز الذي يقترب من 7 ملايين متر مكعب سنويًا ليس مجرد رقم تقني، بل إنذار مبكر يتطلب تحولًا حقيقيًا في طريقة إدارة المياه. وبينما تمثل السدود، بما فيها سد المأمونية، جزءًا من الحل، فإن الحسم لن يكون بحجم التخزين فقط، بل بقدرة الإدارة على استثمار كل قطرة ماء بكفاءة، قبل أن يتحول العجز من أزمة قابلة للإدارة إلى واقع دائم يصعب تغييره.