الحرب البرية
إسماعيل الشريف
نشهد أحد أكبر التحولات في طبيعة الحرب في التاريخ. مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان الأمريكي الأسبق.
قبل نحو شهر، شنّت الولايات المتحدة والصهاينة غاراتٍ جويةً على إيران، ظنًّا بأن النظام سيتداعى سريعًا، لكنّ ما حدث جاء على النقيض.
ولم تكتفِ بذلك، بل أحكمت قبضتها على أهمّ مضيقٍ مائي في العالم، الذي يمرّ عبره نحو 20% من نفط العالم يوميًا، وتتعامل معه وكأنّه نهرٌ يجري في أراضيها.
لا ريب أنّ هذا المشهد لم يكن وليد اللحظة؛ فقد أعدّت إيران له على مدى سنوات، لكنها نفّذته في يومٍ واحد.
تتزايد التصريحات التي تشير إلى احتمال إقدام الولايات المتحدة على غزو جزيرة خارك برّيًا، غير أنّ مثل هذه الخطوة إن حدثت ستضعها في مأزقٍ أشدّ تعقيدًا. فالحروب الحديثة لم تعد تسمح بحشودٍ بريةٍ تقليدية؛ ويكفي النظر إلى الحرب الروسية الأوكرانية، حيث لم يعد المشاة يحسمون الأرض، ولا الدبابات تمشّط الطرق والأرياف كما في السابق، بل تنتشر القوات على مسافاتٍ متباعدة، لأنّ أيّ تجمّعٍ مكشوفٍ يتحوّل فورًا إلى هدفٍ سهل لصاروخٍ أو طائرةٍ مسيّرة. وكذلك الحال في المواجهات بين الكيان الصهيوني وحزب الله، حيث تتكرّر مشاهد استهداف التجمّعات العسكرية، لتنتهي غالبًا بحصيلةٍ دامية من الجرحى والقتلى.
ومن هنا، يعجز الكيان حتى الآن عن تحقيق تقدّمٍ بريّ ملموس، كما أخفق الروس والأوكران في الحسم عبر المشاة، ولن يكون مصير أيّ قوةٍ تحاول احتلال الجزيرة مختلفًا؛ فإن تجمّعت صارت هدفًا سهلًا، وإن تفرّقت على امتداد الساحل، فلن تتمكّن من فتح الممرّ. وحتى حاملات الطائرات الأمريكية العملاقة لم تنجح في تغيير هذه المعادلة، فآثرت التمركز بعيدًا عن المضيق.
تكمن المشكلة في أنّ الولايات المتحدة ما تزال أسيرة نموذجها في الحرب العراقية: حصارٌ يتبعه قصف، ثم تدخلٌ بريّ لفرض السيطرة، بينما استخلص الإيرانيون دروس تلك التجربة، فصاغوا عقيدةً عسكريةً تقوم على امتصاص التفوّق الناري الأمريكي بدل مواجهته مباشرة، متوقّعين الضربات الجوية ومشاركة حاملات الطائرات، وجاعلين كلفة الحرب اقتصاديًا وعسكريًا مرتفعةً إلى حدٍّ مرهق.
ولهذا، يشبّه المحلّلون فكرة احتلال الجزر الإيرانية لفتح مضيق هرمز بحملة غاليبولي في الحرب العالمية الأولى، حين حاولت بريطانيا وفرنسا السيطرة على مضيق الدردنيل، فانتهت المحاولة إلى واحدةٍ من أفدح الهزائم بسبب سوء التقدير؛ إذ تحطّم الهجوم البحري على الألغام والمدفعية العثمانية، ثم اصطدم الإنزال البري بتضاريس قاسية ومرتفعاتٍ حاكمة منحت العثمانيين بقيادة مصطفى كمال أفضليةً حاسمة في الدفاع والاستنزاف، قبل أن تنزلق المعركة إلى حرب خنادق دامية بلا نتيجة، وتنتهي بانسحابٍ وخسائر بشرية قاربت ربع مليون لكلّ طرف.
وهكذا تبقى غاليبولي درسًا خالدًا في كيف يمكن للجغرافيا وسوء التخطيط أن يكسرا تفوّقًا عسكريًا كبيرًا، وربما نكون أمام تكرارٍ للمشهد؛ غاليبولي جديدة، كما كانت قناة السويس من قبل، حيث يجتمع في هاتين المحطّتين خيطٌ واحد: أنهما شكّلتا بداية أفول الإمبراطورية البريطانية.