الوعي الخفي...حين تفهم الشعوب ما يجري قبل أن تعترف به السلطة


البرفسور عبد الله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
ليست مشكلة الشرق الأوسط أن شعوبه لا تفهم ما يجري، بل إن شعوبه فهمت الحقيقة مبكرًا، بينما تأخر الاعتراف بها في دهاليز السياسة والإدارة.
في هذه المنطقة التي عبرت فوقها جيوش الإمبراطوريات وتكسرت عند حدودها مشاريع القوى الكبرى، نشأ لدى المجتمعات نوعٌ خاص من الإدراك التاريخي العميق؛ إدراك لا يُكتب غالبًا في الكتب، لكنه يعيش في الذاكرة الجمعية ويظهر في لحظات التحول الكبرى.
إنه الوعي الخفي؛ ذلك الإدراك الذي يجعل الشعوب تقرأ ما بين سطور الأحداث قبل أن تكتمل الروايات الرسمية عنها. فمنذ اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور، مرورًا بالحروب الإقليمية والتحولات الكبرى في النظام الدولي، وصولًا إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر والربيع العربي، وحرب غزة، تراكمت في ذاكرة شعوب المنطقة خبرة سياسية جعلتها تنظر إلى السياسة لا بوصفها خطابات علنية، بل بوصفها طبقات متداخلة من المصالح والصفقات غير المعلنة.
لم تعد شعوب المنطقة، تتعامل مع الأحداث، بوصفها وقائع منفصلة، بل كحلقات في سلسلة طويلة من الترتيبات الدولية. فالحروب، والانقلابات، والاتفاقيات، وحتى الثورات تُقرأ في الوعي الشعبي ضمن سياق أوسع من مجرد احداث سياسية يومية عابرة. ولهذا يمتلك الشارع حدسًا سياسيًا، ويلتقط الإشارات الخفية التي قد تغيب أحيانًا عن الخطابات أو الدراسات الأكاديمية.
وهكذا نشأ الوعي التاريخي التراكمي؛ وعي يعرف أن الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة جغرافية عادية في السياسة الدولية، بل عقدة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح الطاقة والممرات البحرية والأمن العالمي.
وقد أشار الفيلسوف الألماني نتشه إلى فكرة قريبة من هذا المعنى حين قال إن الأمم لا تعيش فقط بما تعرفه، بل بما تختزنه في أعماقها من ذاكرة خفية. فالوعي الجمعي تاريخ طويل من الخبرة المتراكمة، وأرشيف غير مكتوب تحفظه العقول أكثر مما تحفظه الكتب.
لكن هذا الوعي يحمل مفارقة أساسية، فالشعوب قد تفهم ما يجري حولها، لكنها لا تملك دائمًا القدرة المؤسسية على تغييره. إنها ترى اللعبة وتدرك قواعدها، لكنها ليست دائمًا اللاعب الذي يملك القطع على رقعة الشطرنج. وهنا تظهر فجوة عميقة بين الإدراك الشعبي والقدرة السياسية على الفعل؛ فجوة أصبحت إحدى السمات المميزة لشعوب المنطقة، وعي عميق يقابله عجز سياسي مزمن.
المفكر الإيطالي غرامشي، عبّر عن هذه اللحظة التاريخية بدقة قائلاً "الأزمة تبدأ عندما يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد". وهذا يكاد يكون توصيفًا دقيقًا للحظة التي تعيشها أجزاء واسعة من الشرق الأوسط اليوم.
ومع ذلك، ظل هذا الوعي حاضرًا في لحظات التحول الكبرى. ففي كل مرة ظن فيها البعض أن المجتمعات قد استسلمت بالكامل لوقائع الجغرافيا السياسية، ظهرت موجات جديدة من الحراك الاجتماعي أو التحولات السياسية، وكأن التاريخ يذكّر الجميع بأن الذاكرة الجمعية لم تمت.
واليوم، ومع التحولات الجيوسياسية المتسارعة في العالم، من صعود القوى الآسيوية إلى إعادة تشكيل التحالفات الدولية، تقف شعوب المنطقة، مرة أخرى عند مفترق تاريخي. فالقوى الكبرى تعيد ترتيب أوراقها، والدول الإقليمية تبحث عن مواقع جديدة في ميزان القوى العالمي. وخلف كل ذلك يبقى ذلك الوعي الخفي لشعوب المنطقة حاضرًا، يراقب ويحلل ويخزن في ذاكرته كل ما يجري.
قد لا يظهر هذا الوعي دائمًا في استطلاعات الرأي أو الخطابات السياسية، لكنه يعيش في تفاصيل الثقافة الشعبية، وفي النقاشات اليومية، وفي ذلك الشعور الجمعي بأن تاريخ هذه المنطقة لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
وإذا كان هذا الوعي التاريخي قد تشكل على مستوى الشرق الأوسط ككل، فإن الحالة الأردنية تقدم مثالًا مكثفًا لهذه الظاهرة. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي، يقف منذ نشأته في قلب عاصفة جيوسياسية دائمة، محاطًا بملفات الصراع الإقليمي والتحولات الكبرى في النظام الدولي.
فالمجتمع الأردني، يعيش على تماس مباشر مع ثلاث طبقات من التحديات المتزامنة: تحولات جيوسياسية إقليمية متسارعة، وتحولات اقتصادية عالمية تتجه نحو اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا، وتحولات اجتماعية داخلية، عززت الشعور بأن الفرص الاقتصادية والسياسية لا تتوسع بالسرعة نفسها التي تتوسع بها تطلعات المجتمع، ويطمح لها الملك.
ولهذا طوّر المجتمع الأردني عبر عقود طويلة قدرة لافتة على قراءة التحولات الإقليمية. فالأردنيون يدركون أن بلدهم نجح تاريخيًا في الحفاظ على الاستقرار وسط عواصف إقليمية هائلة، وأن هذا النجاح لم يكن نتيجة الصدفة، بل ثمرة مزيج من حكمة القيادة الهاشمية، وقدرتها على إدارة التوازنات الدولية الدقيقة، وتفهم أبناء الأردن، وثقتهم بالهاشمين.
لكن هذا الوعي الشعبي يقف اليوم أمام سؤال داخلي صعب: لماذا تتراكم الأزمات رغم وضوح التحديات؟ الإجابة لا تكمن فقط في الجغرافيا السياسية، بل في بنية الإدارة العامة نفسها.
فخلال العقود، واجه الأردن تحديات بنيوية متراكمة: اقتصاد محدود الموارد، وبطالة مرتفعة، وديون متصاعدة، وتراجع تدريجي في جودة بعض الخدمات العامة، وعلى رأسها التعليم. ومع مرور الوقت بدأت تتشكل فجوة متزايدة بين طموحات المجتمع والمؤسسات الحكومية.
عالم الاجتماع الألماني فيبر، سبق وان حذر من أن البيروقراطية، التي صممت لضمان الكفاءة والتنظيم، قد تتحول في بعض الحالات إلى نظام مغلق يحمي نفسه أكثر مما يخدم المجتمع. وعندها، تصبح الإدارة جهازًا لإدارة الوقت لا لإدارة المستقبل.
وفي الحالة الأردنية يدرك كثير من المراقبين والمواطنين أن جزءًا من الأزمة يرتبط بظاهرة القيادات الطارئة على الإدارة العامة؛ قيادات وصلت إلى مواقع القرار دون تراكم كافٍ من الخبرة أو الرؤية الاستراتيجية (او بطريقة ما!)، لكنها امتلكت القدرة على طرح أفكار مشاريع وتسويقها بشعارات مستقبلية براقة.
وقد أُنفقت على بعض هذه المشاريع أموال عامة كبيرة، رغم أن كثيرًا من المختصين كانوا يدركون منذ البداية أن نتائجها لن تكون بالمستوى الموعود. ومع ذلك مضت الأمور كما لو أن الزمن وحده كفيل بإخفاء الخطأ. لكن الزمن لا يخفي الأخطاء، بل يراكم كلفتها.
في دول كثيرة قد تخطئ السياسات التنفيذية، لكن الخطأ يولّد مراجعة ومساءلة. وحين تغيب المراجعة وتضعف المساءلة، فإن الخطأ يرتفع تدريجيًا إلى مستوى الفشل، ويتحول إلى نموذج إداري يعاد إنتاجه مرة بعد أخرى، عبر التدوير او غير ذلك.
والأكثر خطورة أن بعض هذه المشاريع تُطرح بصيغة طويلة الأمد، مع معرفة مسبقة من قبل أصحابها بأن نتائجها لن تظهر في المدى القريب، الأمر الذي يسمح بتأجيل المساءلة عن النتائج والية الادارة. ومع الوقت تتشكل داخل المؤسسات او خارجها، ما يشبه شبكات الحماية غير المعلنة، التي تمتص الضغوط وتمنع وصول المساءلة إلى من يستحقها. وهنا تتسلل إلى الإدارة عقلية تختصرها العبارة الشعبية "المهم ما بدنا مشاكل".
لكن الأزمات لا تتعمق بسبب كثرة المشاكل، بل بسبب الهروب من مواجهتها. فحين تضعف أخلاقيات الإدارة ويصبح المنصب وسيلة للحماية لا للمسؤولية، تتراجع قدرة المؤسسات على تصحيح أخطائها، ويصبح الإصلاح أكثر صعوبة.
وقد نبهت الفيلسوفة السياسية آرنت إلى هذه الظاهرة حين كتبت "أن أخطر ما يمكن أن يحدث في الدول ليس الفساد أو الفشل وحده، بل اعتياد المجتمع عليه". فعندما يصبح الفشل الإداري أمرًا مألوفًا تفقد المؤسسات قدرتها على التجدد.
كما لاحظ المفكر الفرنسي دو توكفيل أن أخطر المراحل في حياة الدول ليست حين تواجه أزمة، بل حين تعتاد عليها. فالأزمات عندما تصبح جزءًا من المشهد الطبيعي تفقد قدرتها على تحفيز الإصلاح.
وهنا تحديدًا يتجلى الوعي الخفي لدى المجتمع الأردني، الذي يدرك أن المشكلة لم تعد في السياسات الاقتصادية وحدها، بل في البنية الإدارية التي تسمح للأخطاء بأن تمر دون مساءلة. وهذا ما يجعل الفجوة بين المؤسسات والمجتمع أخطر من أي أزمة اقتصادية.
وتبقى الأسئلة مطروحة بإلحاح، كيف يمكن أن تُطرح مشاريع بلا جدوى واضحة، بينما يشعر المواطن أن حياته اليومية تزداد صعوبة؟ وكيف يمكن أن تتكرر الأخطاء بالتدوير، والتجميل، دون أن تُفتح ملفاتها أو يُحاسب المسؤول عنها؟
وهنا يكمن التحدي الحقيقي. إذا استمرت الإدارة العامة بمنطق تأجيل الحلول، وإذا بقيت شبكات الحماية أقوى من آليات المساءلة، فإن الأزمات لن تتراجع، بل ستتعمق.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن عزل هذه التحديات الداخلية عن البيئة الإقليمية المضطربة. فتسارع الاحداث في الحرب على إيران، والضربات الإيرانية باتجاه دول المنطقة دون مبرر، يعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة، ويضيف طبقة جديدة من الضغوط السياسية والاقتصادية على دولها، ومنها الأردن.
الأردن يقع في قلب جغرافيا تتقاطع فيها خطوط التوتر الإقليمي، وأي اختلال في ميزان القوى ينعكس سريعًا على الاقتصاد والأمن والاستقرار الداخلي. وفي مثل هذه اللحظات، يظهر الوعي الخفي للأردنيين، القادر على قراءة التحولات المبكرة وبناء اجماع وطني، والالتفاف حول القيادة الهاشمية، لحماية وطنهم، واستقرارهم الداخلي. ويصبح التحدي الأكبر أمام الأردن ليس فقط إدارة الأزمات، بل إعادة تعريف مشروعه الوطني للمستقبل. فالدول الصغيرة في عالم مضطرب لا تعيش بالقوة الجغرافية فقط، بل بالقوة المؤسسية والعقل الاستراتيجي لإدارة المؤسسات والمجتمع.
وهذا يعني أن الأردن بحاجة إلى ثلاثة تحولات أساسية: بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي، وإصلاح سياسي يعزز الثقة، واستثمار وإصلاح حقيقي (لا تجميلي) في التعليم، ليكون قادر على إنتاج رأس مال بشري يقود اقتصاد المستقبل.
فالأردن، بحكم موقعه وتاريخه، لا يملك رفاهية الاعتياد على الأزمات. فالدول الصغيرة في عالم مضطرب لا تعيش بالموارد الطبيعية وحدها، بل بالكفاءة المؤسسية. ولهذا فإن الإصلاح لم يعد خيارًا نظريًا، بل ضرورة ملحة.
فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تدخل الازمات فجأة، بل تتآكل حين تؤجل مواجهة الحقيقة، وحين تصبح المجاملة أقوى من المساءلة، وشبكات الحماية أقوى من المؤسسات الرسمية. وحين يحدث ذلك، لا تعود المشكلة في الأزمة نفسها، بل في قدرة المؤسسات على الاعتراف بها قبل أن تتحول إلى قدرٍ دائم.
في الأردن، يبدو أن المجتمع قد وصل إلى درجة عالية من الوعي بطبيعة أزماته، لكنه ينتظر اللحظة التي يتحول فيها هذا الوعي إلى ردة فعل مؤسسية شجاعة.
فالأردن ليس دولة فقيرة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل دولة غنية بمواردها البشرية وحكمة وخبرة قيادتها التاريخية في إدارة تقاطع التوازنات الدولية الصعبة.
وربما جاءت اللحظة التي يتعين فيها على الإدارة العامة، أن تختار بوضوح بين طريقين: اما إدارة الأزمات كما جرت العادة، أو بناء نموذج جديد يقوم على الكفاءة والمساءلة والجرأة في الإصلاح.
ففي النهاية، لا يكفي أن نفهم التاريخ، بل يجب أن نمتلك الشجاعة لكتابة فصله القادم.