العدالة المؤجلة في زمن القوة
هناك جراح في ضمير هذا العصر لا تندمل، وأحد أكثرها نزفاً ذلك الجرح المفتوح الذي خلّفته سياسات القوة العارية في أرضٍ أنهكها الصراع. فمنذ عقود طويلة، تتوالى فصول مأساةٍ إنسانيةٍ ثقيلة، حيث تتقاطع البنادق مع البيوت، وتُزاحم صفاراتُ الإنذار صوتَ الأطفال، ويغدو الغبارُ الذي يعلو المدن شاهداً صامتاً على زمنٍ اختلطت فيه السياسة بالدم.
إنّ ما يراه العالم في تلك البقعة من الأرض ليس مجرد نزاعٍ عابر، بل سردية طويلة من الألم الإنساني؛ قرى تُمحى من الخرائط، وبيوتٌ تُقتلع من جذورها كما تُقتلع الشجرة من تربةٍ عطشى، وأجيالٌ تُولد وهي تحمل في عيونها أسئلة العدالة قبل أن تتعلّم نطق الكلمات. هناك، يصبح الليل أثقل من أن يُحتمل، لأنّه يهبط محمّلاً بذكريات الفقد، وتصبح السماء أقرب إلى مرآةٍ تعكس ما في الأرض من قسوة.
لقد أثارت السياسات الإسرائيلية، ولا سيما في سياق الاحتلال والحروب المتكررة، جدلاً أخلاقياً وسياسياً عميقاً في ضمير العالم. فحين تتقدّم القوة على القانون، ويُستبدل ميزان العدالة بميزان الغلبة، تتصدّع الفكرة الإنسانية ذاتها، ويغدو التاريخ سجلاً مثقلاً بالأسئلة: كيف يمكن لعصرٍ يفاخر بحقوق الإنسان أن يقف طويلاً أمام صور البيوت المهدّمة والوجوه المشرّدة؟
وما يزيد هذه المأساة قسوةً أن صداها لا يتوقف عند حدود الجغرافيا؛ إذ يمتد أثرها إلى الوعي العالمي، حيث تتصادم الروايات، وتتجدد الانقسامات، ويتحوّل الألم الإنساني إلى قضيةٍ أخلاقية كبرى تشغل الضمير الإنساني من الشرق إلى الغرب.
لكن الحقيقة الأعمق التي لا يستطيع التاريخ إخفاءها هي أن القوة، مهما اشتدّت، لا تستطيع أن تُطفئ سؤال العدالة. فالتاريخ – ذلك القاضي الصامت – لا ينسى صرخات المظلومين، ولا يطوي صفحات المعاناة دون أن يكتب في هامشها درساً للبشرية: أن السلام الحقيقي لا يولد من فوهة بندقية، ولا تُبنى الكرامة الإنسانية فوق أنقاض البيوت.
وسيظل العالم، مهما طال الليل، يبحث عن فجرٍ تُستعاد فيه إنسانية الإنسان، ويُعاد فيه الاعتبار لقيمة الحياة، حيث لا يكون الدم لغة السياسة، ولا يكون الخوف هو الاسم الآخر للوطن.
يحيى الحموري