المرأة في ميزان الكرامة… قراءة في مكانتها يومها العالمي

بقلم المخرج احمد العطيان

يأتي الثامن من آذار من كل عام ليُذكّر العالم بقيمة المرأة ودورها في صناعة الحياة. غير أن الحديث عن مكانة المرأة في مجتمعاتنا لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن الجذور العميقة التي أرساها الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، حين أعاد للمرأة إنسانيتها وكرامتها، ومنحها مكانة رفيعة بعد أن كانت في كثير من المجتمعات تعاني التهميش والظلم.

لقد جاء الإسلام برسالة واضحة تؤكد أن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بجنسٍ أو لونٍ أو نسب، وإنما بالتقوى والعمل الصالح، كما قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
(الحجرات: 13).

وفي هذا التوجيه الرباني يتجلّى مبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية بين الرجل والمرأة، فهما شريكان في عمارة الأرض وتحمل المسؤولية وبناء المجتمع.

كما أن القرآن الكريم قدّم نموذجًا متكاملًا للمرأة المؤمنة الفاعلة، التي تشارك في بناء الحياة وتتحمل مسؤولياتها بإيمان وقوة. ويكفي أن نقرأ قوله تعالى:
﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗ﴾
(النحل: 97).

فالعمل الصالح في الإسلام ليس حكرًا على الرجال، بل هو طريق مفتوح للمرأة أيضًا لتكون شريكة في الخير والإصلاح والعطاء.

أما السنة النبوية الشريفة فقد أكدت هذا المعنى بأبلغ صورة، حين قال رسول الله ﷺ:
"إنما النساء شقائق الرجال.”
ففي هذا الحديث إشارة واضحة إلى أن المرأة ليست كائنًا تابعًا أو هامشيًا، بل هي شريكة للرجل في المسؤولية الإنسانية والاجتماعية.

وقد بلغ تكريم الإسلام للمرأة ذروته حين جعل برّها طريقًا إلى الجنة، كما في الحديث الشريف حين سأل رجل النبي ﷺ:
"من أحق الناس بحسن صحابتي؟”
قال: "أمك.”
قال: ثم من؟
قال: "أمك.”
قال: ثم من؟
قال: "أمك.”
قال: ثم من؟
قال: "أبوك.”

إن هذا التكرار النبوي لم يكن مصادفة، بل رسالة عميقة تؤكد أن المرأة — حين تكون أمًا — تحمل أعظم رسالة في بناء الإنسان وصناعة الأجيال.

وفي واقعنا المعاصر، تتجلى هذه القيم في صورة المرأة التي تجمع بين أدوار متعددة؛ فهي الأم التي تزرع القيم في قلوب أبنائها، والمعلمة التي تصنع العقول، والطبيبة التي تخفف الألم، والموظفة التي تساهم في تنمية المجتمع، والقائدة التي تشارك في اتخاذ القرار.

ولعل التجربة الأردنية تمثل نموذجًا مهمًا في حضور المرأة في مختلف ميادين الحياة، حيث استطاعت المرأة الأردنية أن تثبت حضورها العلمي والمهني والاجتماعي، وأن تكون عنصرًا فاعلًا في مسيرة البناء الوطني، دون أن تتخلى عن دورها الأسري والإنساني.

إن الاحتفاء بالمرأة في يومها العالمي لا ينبغي أن يكون مجرد كلمات عابرة أو شعارات، بل هو دعوة حقيقية لإعادة التذكير بقيم العدالة والاحترام والتكامل التي دعا إليها الإسلام، والتي تؤكد أن المجتمع المتوازن هو الذي يمنح المرأة حقها في الكرامة والتعليم والعمل والمشاركة.

فالمرأة ليست مجرد نصف المجتمع كما يقال، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه هذا المجتمع؛ فهي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها وعي الأجيال، وهي القلب الذي يمنح الأسرة تماسكها واستقرارها.

وفي هذا اليوم، نتوقف احترامًا لكل امرأة كانت سببًا في بناء إنسان، أو نشر علم، أو غرس قيمة، أو حملت رسالة في صمت وإخلاص.

تحية لكل أم سهرت من أجل أبنائها،
ولكل معلمة صنعت مستقبلًا،
ولكل امرأة واجهت تحديات الحياة بثبات وإيمان.

فالمرأة حين تُحاط بالاحترام والعدل، لا تصنع نجاحها وحدها، بل تسهم في بناء مجتمع أكثر إنسانية وتوازنًا.

كل عام والمرأة بخير…
كرامةً وعطاءً ورسالة حياة.