جفرا نيوز -
مهنة الطب أنموذجًا بين الإنسانية والثقة والمسؤولية
كتب : العميد م حسن فهد ابوزيد
شرف المهنة ليس شعارًا يُرفع، ولا كلمات تُقال في المناسبات، بل هو منظومة دينية وأخلاقية وإنسانية متكاملة، تقوم على الأمانة والإخلاص والكفاءة واحترام الإنسان. فجميع المهن، على اختلاف أنواعها، تستند إلى هذا المبدأ، إلا أن بعض المهن تبقى أكثر حساسية وتأثيرًا في حياة الناس، وفي مقدمتها مهنة الطب؛ تلك المهنة التي ارتبطت منذ القدم برسالة إنسانية عظيمة عنوانها الرحمة، والحفاظ على حياة الإنسان وكرامته، وصون خصوصيته.
فالطبيب لا يتعامل مع أرقام أو ملفات جامدة، بل مع إنسان يحمل ألمًا وخوفًا وأملًا بالشفاء. ومن هنا، فإن العلاقة بين الطبيب والمريض يجب أن تقوم على الثقة والاحترام المتبادل والصدق في التعامل. فالمريض، عندما يلجأ إلى الطبيب، يضع بين يديه أغلى ما يملك؛ صحته وحياته، وهنا تتجلى قدسية هذه المهنة وعِظم المسؤولية الملقاة على عاتق من يمارسها بمختلف تخصصاتها.
ويتجلى شرف مهنة الطب في عدة أمور أساسية، أهمها الإخلاص في أداء الواجب، وتقديم مصلحة المريض على أي اعتبار آخر، والتعامل الإنساني الراقي القائم على الأمانة والمحافظة على الخصوصية، بعيدًا عن الاستغلال أو التمييز أو التقصير أو استثمار المهنة في أمور لا تمت للطب ورسالتِه بصلة لتنفيذ مأرب أخرى منبوذة في مجتمعنا كما يتطلب ذلك من الطبيب مواكبة التطور العلمي والطبي بشكل دائم، لأن الطب رسالة علمية متجددة لا تعرف التوقف، والطبيب الناجح هو من يجمع بين العلم والأخلاق والإنسانية والفضيلة، بما ينسجم مع شرف هذه المهنة السامية.
كما أن الأمانة في نقل المعلومة الطبية تُعد من أهم ركائز شرف المهنة، سواء في التشخيص أو العلاج أو توعية المرضى. فالكلمة التي يقولها الطبيب قد تمنح المريض الطمأنينة والأمل، وقد تؤثر في قرارات مصيرية تتعلق بحياته، ولذلك فإن المسؤولية الأخلاقية والمهنية هنا كبيرة جدًا. فالمجتمع بأسره، رجالًا ونساءً، بحاجة إلى الطبيب، وهنا تتجلى أمانة المهنة الحقيقية، المرتبطة بالقسم الذي يؤديه الطبيب أمام الله والمجتمع والضمير.
وفي المقابل، فإن المجتمع مطالب أيضًا بالحفاظ على مكانة الطبيب واحترام جهوده وتقدير حجم الضغوط والمسؤوليات التي يتحملها، خاصة في الظروف الصعبة والأزمات الصحية. فالعلاقة بين الطبيب والمريض ليست علاقة خصومة أو شك دائم، بل علاقة تكامل وثقة وإنسانية، هدفها الأول حماية الإنسان والحفاظ على صحته وكرامته.
وقد أثبتت العديد من المواقف والأزمات أن الطبيب الحقيقي هو صاحب رسالة نبيلة، يواصل الليل بالنهار من أجل إنقاذ حياة الآخرين، متجاوزًا التعب والخطر والضغوط النفسية. وهذا ما يجعل مهنة الطب من أسمى المهن وأكثرها ارتباطًا بالقيم الإنسانية والأخلاقية والسلوكية.
ومن هنا يبرز الدور المهم للنقابات المهنية والجهات الرقابية، ليس فقط في حماية حقوق المنتسبين إليها، بل أيضًا في متابعة الأداء المهني والأخلاقي، وترسيخ معايير الكفاءة والنزاهة والمحاسبة عند وقوع أي تجاوز أو تقصير. فالمحاسبة العادلة والشفافة لا تُسيء إلى المهنة، بل تحمي سمعتها وتعزز ثقة المجتمع بها، لأن الحفاظ على شرف المهنة يتطلب وجود رقابة مسؤولة تُنصف الجميع وتحافظ على هيبة المهنة ورسالتها الإنسانية.
إن الحفاظ على شرف المهنة مسؤولية مشتركة تبدأ من المؤسسات التعليمية والتدريبية، وتمر بالنقابات والجهات الرقابية، ولا تنتهي عند ضمير الفرد نفسه. وعندما نحافظ على أخلاقيات المهنة ونرسّخ قيم النزاهة والرحمة والصدق، فإننا نحافظ على ثقة المجتمع واستقرار مؤسساته الإنسانية.
وختاماً، تبقى مهنة الطب في الأردن رسالة رحمة قبل أن تكون وظيفة، ويبقى شرف المهنة فيها خطًا أحمر لا يجوز المساس به، لأنه أساس الثقة التي تربط المريض بالطبيب ، وأساس بناء مجتمع يقوم على الاحترام والإنسانية والقيم النبيلة. كما أننا نفخر بقطاعنا الطبي الكبير ومستواه المتقدم في مختلف التخصصات، بعيدًا عن بعض الحالات الفردية السلبية التي قد تظهر هنا أو هناك، وهي ليست حكرًا على الأردن، بل قد توجد في مختلف المجتمعات حول العالم والقضاء النزيه العادل هو الوحيد الذي يحاسب المقصرين في هذا المجال