الأردن هندسة البقاء وفائض العقل.
منيزل النعيمي
كثيرون في الإقليم اعتادوا أن يتعاملوا مع الأردن وكأنه "لُغزٌ مؤقت"؛ أو كأنها دولة صغيرة الحجم يُفترض أن تسقط في أول اختبار كبير، لكن ما يحدث منذ عقود يثبت العكس تماماً.
السؤال الحقيقي اليوم هو ليس: لماذا يواجه الأردن التحديات؟ بل: كيف ينجو الأردن في كل مرة بينما ينهار ما هو أكبر منه؟
يعيش الأردن في منطقة تتبدل خرائطها كل عقد، ويعاد رسم حدودها بالصراعات والحروب "بالنار إن صحّ التعبير"، بينما ظلّ الأردن ثابتاً على وضعه الجيو-سياسي، ومن حوله دول دخلت في حروب أهلية، وأخرى تمزقت بفعل الانقسامات، وثالثة غرقت في أزمات اقتصادية خانقة. ومع ذلك، بقي الأردن واقفاً صامداً.
كُل هذا ليس لأن الظروف سهلة، فالبقاء هنا ليس صدفة، إنها إدارة ذكية للأزمات، فالأردن لم يملك يوماً رفاهية الموارد الكبيرة أو الاقتصاد النفطي، لكنه امتلك ما هو أثمن: القدرة على قراءة الإقليم قبل أن ينفجر.
على صعيد السياسة الخارجية، يُتقن الأردن ما يمكن تسميته دبلوماسية التوازن؛ فهو يعرف كيف يتحدث مع الجميع دون أن يفقد موقعه. يجلس أحياناً مع الخصوم قبل الأصدقاء، لا بدافع المُجاملة، بل بدافع حماية الاستقرار الداخلي، فالملك لا يذهب ويلتقي القيادات العالمية لتقديم الطاعة؛ بل لتوظيف قدراته في تقديم سردية مختلفة عن عتاة اليمين الإسرائيلي الذين استفردوا بالرواية العالمية، فهو يملك من الأوراق ما يؤهله للتعامل بندية.
هذه السياسة تقوم على مبدأ بسيط:
في إقليم مضطرب، الحياد الذكي قد يكون أقوى من الانحياز المتسرع، لكن ذلك لا يعني أن الصورة مثالية، فالاقتصاد يواجه ضغوطاً حقيقية، والبطالة بين الشباب تُشكّل تحدياً لا يمكن تجاهله، كما أن استضافة موجات اللجوء عبر العقود وضعت عبئاً كبيراً على موارد الدولة المحدودة.
ومع ذلك، حين ينظر البعض إلى الأردن على أنه "استثناء مؤقت"، فإنهم يغفلون حقيقة مهمة: أن الاستقرار هنا ليس لحظة عابرة، بل تراكم خبرة طويلة في إدارة الأزمات، فنحن لا نعيش خارج العاصفة، بل في قلبها، لكننا نعلم كيف نقف بثبات بينما تتغير الرياح.
ولهذا، فإن البقاء ليس مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لدولة اختارت أن تدير القلق بدل أن تستسلم له، نحن لسنا مجرد نقطة صغيرة على خريطة الشرق الأوسط، إنه دليل على أن العقل السياسي يمكن أن يكون أقوى من الفوضى المحيطة به.