الأردن في أسبوع : دولة ثابتة في إقليم يتصاعد فيه الدخان
بقلم د. ايمن الخزاعلة
مع دخول الأسبوع الأول من آذار/مارس 2026، بدا الأردن وكأنه يقف على حافة مسرح إقليمي شديد الاضطراب، حيث فرضت التطورات العسكرية في المنطقة إيقاعها على المشهد السياسي والأمني في عمّان. ففي الأول من مارس ترأس الملك اجتماع مجلس الأمن القومي لمراجعة التقديرات الاستراتيجية المرتبطة بتصاعد استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في الإقليم. لم يكن الاجتماع مجرد متابعة روتينية، بل أقرب إلى إعادة ضبط لعقيدة الجاهزية الدفاعية في لحظة تتداخل فيها مسارات الحرب غير التقليدية مع المجال الجوي لدول الجوار. الرسالة الضمنية كانت واضحة: الأردن يدرك أنه يقع جغرافياً في ممر استراتيجي حساس، ولذلك فإن حماية المجال الجوي لم تعد مهمة تقنية فحسب، بل مسألة سيادة وطنية تتطلب يقظة عملياتية مستمرة.
بالتوازي مع هذا المسار الأمني، تحركت الدبلوماسية الأردنية بسرعة، حيث أجرى وزير الخارجية أيمن الصفدي اتصالات مكثفة مع عواصم إقليمية ودولية لبحث تداعيات التصعيد. عمّان هنا لم تكتفِ بالمراقبة، بل سعت إلى تثبيت معادلة سياسية واضحة: الأردن ليس جزءاً من الاشتباك الإقليمي، لكنه في الوقت نفسه لن يقبل بأن يتحول مجاله الجوي إلى ممر أو ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى المتصارعة. هذه المقاربة تعكس فلسفة السياسة الخارجية الأردنية القائمة على إدارة التوازنات الدقيقةدون الانخراط في الاستقطابات الحادة ، حيث تتحرك المملكة ضمن مساحة ضيقة بين حماية مصالحها السيادية والحفاظ على شبكة علاقاتها الاستراتيجية مع القوى المؤثرة في الإقليم.
ميدانياً، كشفت ليلة الثاني إلى الثالث من مارس عن وجه جديد للحروب الحديثة، مع رصد صواريخ ومسيرات في أجواء المنطقة وسقوط شظايا في شمال المملكة، خاصة في إربد والمفرق. ورغم محدودية الأضرار، فإن الحادثة تعكس تحولاً استراتيجياً واضحاً؛ فالصراع لم يعد محصوراً بخطوط الجبهة، بل بات يمتد عبر الفضاء الجوي للدول المجاورة، ما يجعل تعزيز منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر ضرورة استراتيجية لمواجهة تهديدات تتسم بالسرعة والتجاوز الجغرافي. و في الثالث من مارس تواصلت الاتصالات السياسية رفيعة المستوى مع عواصم غربية، بما فيها واشنطن، لبحث التطورات الأمنية واحتمالات اتساع المواجهة. وقد شددت الرسائل الأردنية على ضرورة تجنب انفجار إقليمي واسع، في تحرك يعكس إدراك عمّان لارتباط استقرارها الداخلي بمسار الصراع في المنطقة، ودفعها نحو دور يوازن بين الحذر الاستراتيجي والدبلوماسية الهادئة.
وفي الخامس من مارس قام ولي العهد بزيارة إلى أحد مراكز العمليات العسكرية للاطلاع على جاهزية منظومات الدفاع الجوي. مثل هذه الزيارات تحمل بعداً يتجاوز البروتوكول العسكري؛ فهي رسالة ثقة موجهة إلى الداخل بأن المؤسسة العسكرية تحتفظ بقدرتها على السيطرة على المجال العملياتي، ورسالة ردع غير مباشرة إلى الخارج بأن المجال الجوي الأردني ليس فراغاً استراتيجياً يمكن تجاوزه بسهولة.
وفي موازاة الاستعدادات الأمنية، تحركت الحكومة على جبهة الاقتصاد والإدارة العامة. فقد اتخذ مجلس الوزراء برئاسة الدكتور جعفر حسان إجراءات احترازية لتعزيز المخزون الاستراتيجي من الغذاء والدواء وضمان استقرار الأسواق. هذه الخطوات تعكس إدراكاً بأن الأزمات الجيوسياسية الحديثة غالباً ما تنتقل بسرعة من المجال العسكري إلى الاقتصاد وسلاسل التوريد، وأن متانة الجبهة الداخلية تمثل خط الدفاع الثاني بعد القوة العسكرية.
أما على المستوى السياسي الداخلي، فقد شهد مجلس النواب نقاشات حول تداعيات التصعيد الإقليمي على الأمن الوطني ومخصصات القطاع العسكري في موازنة 2026، بالتوازي مع استمرار الجدل حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي. هذا التداخل بين الملفات الأمنية والاجتماعية يعكس طبيعة المرحلة، حيث تحاول الدولة الحفاظ على إيقاعها المؤسسي الطبيعي حتى في ظل الضغوط الإقليمية، لأن تعطّل الحياة السياسية في مثل هذه الظروف قد يفتح فراغاً داخلياً لا يقل خطورة عن التهديدات الخارجية.
اقتصادياً بدت الأسواق الأردنية حذرة لكنها متماسكة؛ فقد سجلت بورصة عمان تراجعاً طفيفاً قبل أن تستعيد توازنها، بينما ارتفعت أسعار الذهب مع ميل طبيعي نحو الأصول الآمنة. ورغم التوترات المحيطة، استمرت الحركة السياحية والاستثمارية دون انهيار حاد، وهو مؤشر على أن الاقتصاد الأردني يمتلك درجة من المناعة اكتسبها عبر سنوات طويلة من التعايش مع بيئة إقليمية مضطربة.
بالمحصلة، يكشف هذا الأسبوع عن معادلة أردنية دقيقة: يقظة عسكرية مرتفعة، ودبلوماسية نشطة، وإدارة داخلية حذرة تحاول امتصاص الصدمات قبل أن تتسع. فالأردن يدرك أنه يعيش في قلب جغرافيا ملتهبة، لكنه في الوقت ذاته يراهن على مزيج من الانضباط المؤسسي والمرونة السياسية للحفاظ على توازنه في محيط لا يعرف الاستقرار.