الأردن تاريخيًا يجيد السير فوق الحبال المشدودة
ماجد السبية
لشرق الأوسط على حافة التحول الكبير: ماذا بعد سقوط النظام الإيراني المحتمل؟
في السياسة، هناك لحظات تتكثف فيها السنوات داخل أيام. وإذا افترضنا أن مواجهة عسكرية أمريكية إسرائيلية ضد إيران أُعدّ لها لتكون ضربة سريعة وحاسمة، وأن النظام الإيراني يواجه خطر السقوط خلال فترة وجيزة، فإن المنطقة لا تقف أمام حدث عابر، بل أمام إعادة تشكيل محتملة لموازين القوة في الإقليم.
التصريحات المبكرة من شخصيات مثل دونالد ترامب بشأن مصير القيادة الإيرانية، والإشارات التي تُقرأ في سياق التحركات الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، تُفهم ضمن حرب نفسية وإعلامية مرافقة للعمليات العسكرية. أما الحديث عن استهداف أو غياب المرشد الأعلى علي خامنئي، فهو يمثل زلزالًا سياسيًا داخل إيران قبل أن يكون مجرد تطور عسكري.
لكن السؤال الأهم ليس: هل يسقط النظام؟
بل: ماذا بعد السقوط؟
تاريخ المنطقة يعلمنا أن سقوط الأنظمة لا يعني نهاية الصراع، بل أحيانًا بدايته في صورة أكثر تعقيدًا. فراغ القوة في دولة بحجم إيران قد يفتح الباب لسيناريوهات متعددة: صراع داخلي، إعادة تشكل مراكز النفوذ، أو حتى تدخلات إقليمية ودولية لإعادة رسم الخريطة السياسية والأمنية.
أما إسرائيل، فهنا يكمن القلق الأكبر. إن تحقق هدف استراتيجي بحجم إزاحة خصم إقليمي ثقيل، فهل سيُترجم ذلك إلى سلوك أكثر براغماتية أم إلى مزيد من الثقة المفرطة بالقوة؟ التاريخ السياسي لحكومات اليمين في إسرائيل يشير إلى أن فائض القوة غالبًا ما يُستخدم لفرض وقائع جديدة، خصوصًا في الضفة الغربية. والسؤال المشروع: هل تنتظر إسرائيل لحظة انهيار إيران لتتفرغ بالكامل لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني؟
المنطقة بأسرها قد تدخل مرحلة "ما بعد الردع التقليدي". فغياب إيران المحتمل كقوة إقليمية فاعلة سيُحدث اختلالًا في توازن القوى بين محورين تشكلا خلال العقدين الماضيين. وفي مثل هذه اللحظات، لا تتحرك الدول بالعواطف، بل بالحسابات الباردة.
هنا يأتي موقع الأردن في قلب المعادلة. الأردن بحكم الجغرافيا والتاريخ ليس متفرجًا على ما يجري. المملكة أثبتت، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، قدرة عالية على إدارة الأزمات الإقليمية المعقدة، وموازنة المصالح الوطنية ضمن بيئة شديدة التقلب. الحنكة السياسية الأردنية لطالما قامت على قراءة دقيقة للمتغيرات دون اندفاع، وعلى تثبيت الاستقرار الداخلي كأولوية لا تُساوم.
الجيش العربي الأردني كان وسيبقى خط الدفاع الأول عن السيادة الوطنية، وقد أثبت جاهزيته في التصدي لأي اعتداء أو اختراق، بما في ذلك التعامل الحازم مع أي تهديدات مصدرها الأراضي أو الأذرع المرتبطة بإيران. في زمن الفوضى الإقليمية، تتحول المؤسسة العسكرية إلى صمام أمان، لا فقط عبر القوة الصلبة، بل عبر الرسالة الواضحة بأن حدود الدولة خط أحمر.
وفي خضم هذا المشهد، يصبح الوعي المجتمعي جزءًا من الأمن الوطني. الحروب الحديثة لا تُخاض بالصواريخ فقط، بل بالشائعات والمعلومات المضللة. الانصياع لتعليمات الأجهزة المختصة، وعدم الانجرار خلف أخبار غير موثقة، مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن أي جهد عسكري أو سياسي.
المستقبل، بطبيعته، لا يكشف أوراقه دفعة واحدة. لكن ما يمكن الجزم به أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة أكثر حساسية وتعقيدًا. إن كان سقوط النظام الإيراني احتمالًا واردًا، فإن ما بعده لن يكون فراغًا بسيطًا، بل إعادة صياغة لقواعد اللعبة.
التحدي الحقيقي ليس في توقع السيناريو الأسوأ، بل في الاستعداد له دون هلع، وفي بناء الموقف الوطني على الثبات والعقلانية. في زمن التحولات الكبرى، الدول التي تنجو ليست الأقوى عسكريًا فقط، بل الأقدر على قراءة اللحظة، وحماية تماسكها الداخلي، وتحصين قرارها السيادي من الانفعال.
والأردن، تاريخيًا، يجيد السير فوق الحبال المشدودة دون أن يفقد توازنه.