اللوزي تكتب: الضمان الاجتماعي بين الاستدامة والعدالة
بقلم: المهندسة نور أحمد اللوزي
لا يمكن لأي نقاش جاد حول مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي أن ينطلق من زاوية مالية ضيقة أو من منظور حسابي بحت، فالضمان الاجتماعي ليس مجرد صندوق مالي أو مؤسسة استثمارية، بل هو أحد أعمدة العقد الاجتماعي في الدولة الأردنية، وصندوق ادخار الأردنيين، وضمانة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لهم في مراحل العمل والعجز والشيخوخة، ومن هنا، فإن أي تعديل تشريعي يمس هذا النظام يجب أن يُبنى على فهم عميق لطبيعته كأداة حماية اجتماعية قبل أن يكون وعاءً مالياً.
إن تحقيق الاستدامة المالية هدف مشروع وضروري، لكن هذه الاستدامة لا يجوز أن تتحقق على حساب الحقوق المكتسبة، ولا عبر تحميل المؤمن عليهم وحدهم كلفة اختلالات تراكمية تشكلت عبر سنوات طويلة. فالإصلاح الحقيقي لا يكون بإعادة توزيع الأعباء فحسب، بل بإعادة تصويب المسار كاملاً من خلال شفافية كاملة في عرض الدراسات الاكتوارية، وإخضاع سياسات الاستثمار لمراجعة مستقلة، وتعزيز الحوكمة والمساءلة المؤسسية، إلى جانب توسيع قاعدة الشمول التأميني، ومعالجة التهرب، وضمان التزام الجهات كافة بسداد التزاماتها تجاه المؤسسة. بذلك فقط يمكن إعادة بناء الثقة بالنظام وصون استقراره التشريعي.
كما أن أي تعديل يمس سن التقاعد أو شروط التقاعد المبكر أو آليات احتساب المنافع يجب أن يأخذ بعين الاعتبار واقع سوق العمل الأردني، ومعدلات البطالة، وطبيعة المهن، والآثار الاجتماعية المترتبة على أي تغيير، فالتقاعد المبكر والمشاركة الاختيارية أدوات تأمينية مشروعة، وليستا امتيازات عابرة يمكن تقليصها دون دراسة متأنية، العدالة التأمينية تتحقق عبر توازن منصف بين متطلبات الاستدامة وحقوق المشتركين، وعبر الإبقاء على جوهر الضمان كنظام تكافلي يخدم الأجيال الحالية والقادمة دون الإضرار بأي فئة أو الإخلال بمبدأ الثقة المشروعة.
وإزاء حالة القلق والغضب المجتمعي التي رافقت طرح مقترح القانون المعدل، فإن الحكمة تقتضي إعادة النظر فيه، وتهيئة الأرضية لحوار وطني شامل ومسؤول حول أي تعديلات مقترحة، حوار يضم جميع أطياف المجتمع، والأحزاب السياسية، ومؤسسات المجتمع المدني، والنقابات، والخبراء المختصين، وأن يكون بالتشاركية مع الفريق الاقتصادي الحكومي، وصولاً إلى صيغة توافقية تحافظ على استقرار المؤسسة واستدامتها، وتضمن حماية مدخرات الأردنيين وتعزيز الثقة الوطنية بهذا الصندوق السيادي الاجتماعي، حيث أنّ حماية الضمان الاجتماعي هي مسؤولية وطنية مشتركة، وأي إصلاح لا يقوم على الشراكة والشفافية والتوازن لن يحقق الغاية المرجوة منه.