جفرا نيوز -
محمد الحواري
في الصورة التي نعرفها، توقظ الأم أطفالها صباحًا، تستعجلهم ليرتدوا ملابسهم، وتتأكد من حقائبهم قبل أن يخرجوا إلى المدرسة. تقلق إن تأخروا، وتنتظر عودتهم بما يحملونه من حكايات صغيرة عن الصف والرفاق.
في غزة، تستقبل أمّ الشتاء للمرة الرابعة وهي تتمنى فقط أن يمرّ الليل لتجدهم أحياء مع خيوط الفجر.
تتفقد سقف الخيمة، ترفع فراشهم عن الأرض، وتوزع ما تيسر من أغطية. تضع قطعة قماش عند فتحة ينفذ منها ريح قارس، وتضم أصغرهم إلى صدرها. وحين يبدأ المطر، ترقب تسرب الماء نحو موضع نومهم؛ تدرك جيداً كلفة ابتلال الفراش، وتجهل أين ستجد بقعة جافة أخرى في هذا العراء.
أربع مرات يعود الشتاء ثقيلاً، والأسرة تواجهه بما تبقّى. لكن ما الذي بقي أصلًا بعد فقد البيت، ودوامة النزوح، وطول الانتظار؟.
كبر الصغار في العراء؛ بعضهم بلغ سن الدراسة دون أن يرى سبورة أو يجلس إلى مقعد، وبعضهم تشبث بذاكرة رفيق غاب. ومع تحول معظم المدارس إلى ركام، لم تعد استعادة التعليم بحاجة إلى جدران فحسب، بل إلى جسد دافئ ونفس آمنة تقوى على فتح كتاب وحفظ سطر. إن حمايتهم من الصقيع هي دفاع عن حقهم الأخير في الحلم.
الوقت المتاح ينفد، والتأخير كلفة باهظة تُخصم من عافية طفل وصبر أم تستنزف آخر حيلها كل ليلة. لا ينبغي أن ننتظر حتى تتجمد أجساد الصغار لنكتب كم كانت فاجعتهم موجعة.
أفكر في تلك الأم حين يهدأ المطر قليلًا، فتمدّ يدها تحت الغطاء لتطمئن إلى دفء أنفاسهم. مع حلول هذا الشتاء، كان ينبغي أن يكون لها سقف تأمن تحته، وسرير دافئ، وصباح هادئ توقظهم فيه للذهاب إلى المدرسة.
إن مواجهة هذه المأساة لا تبدأ من القرارات الكبرى، بل منا نحن أولاً؛ من قرار ألا نعتاد المشهد، وألا نمر على برد الخيام كأنه قدر لا رادّ له، وأن نبادر فوراً بما نستطيع من عون مباشر يسند خيمة أو يكسو جسداً غضاً.
ثم من مجتمعاتنا؛ التي يقع عليها واجب التضامن الجمعي المنظّم، وإبقاء صوت هؤلاء الأطفال حياً في فضاءاتنا ومؤسساتنا، وتحويل التعاطف اللحظي إلى التزام مستدام يُحرج الصمت.
وأخيراً، أمام العالم ومؤسساته الدولية؛ التي عليها أن تُسائل قوانينها وضميرها: إن توفير غطاء ليس سقف العدالة، بل السقف الحقيقي هو فتح المعابر دون قيد، ووقف هذه المقتلة التي جعلت من البقاء على قيد الصباح أقصى أمنيات طفل.
الدفء حق لا يُؤجَّل.. وقبل أن تعصف رياح كانون مجدداً، لنتحرك حيث نقف، وبما نملك، قبل أن نسأل غداً: كيف تركناهم وحدهم للبرد؟