جفرا نيوز -
ماجد السيبية
لم تعد مسؤولية البلديات في عالم اليوم تقتصر على تقديم الخدمات التقليدية، من تعبيد الطرق والنظافة والإنارة وتنظيم المدن، بل أصبحت تمتد إلى دور أكثر شمولاً في بناء بيئات حضرية وإنسانية تراعي احتياجات الإنسان، وتحسن جودة حياته، وتوفر بيئة آمنة ومناسبة لجميع فئات المجتمع، وفي مقدمتهم الأطفال والأسر.
ومن هذا المنطلق، يأتي إطلاق مشروع «مدينتي تهتم»، برعاية نائب رئيس الوزراء ووزير الإدارة المحلية المهندس وليد المصري، ليشكل خطوة مهمة في تطوير مفهوم العمل البلدي، وترسيخ الاهتمام بالطفولة المبكرة واحتياجات الأسرة باعتبارهما جزءاً أساسياً من التخطيط الحضري والتنمية المحلية.
وتكمن أهمية المشروع في الفكرة التي يقوم عليها، فهو لا ينظر إلى المدينة باعتبارها شوارع ومباني ومرافق خدمية فحسب، بل باعتبارها مساحة للحياة والتفاعل الاجتماعي، ينبغي أن تكون آمنة وصديقة للأطفال، وأن توفر لهم فرص النمو والتعلم واللعب، وتمنح الأسر ومقدمي الرعاية بيئة أكثر ملاءمة واطمئناناً.
وتتجلى هذه الرؤية من خلال محاور المشروع التي تشمل تهيئة الشوارع وتعزيز سلامة المشاة، وإنشاء وتطوير الحضانات المؤسسية، وقاعات الطفولة المبكرة «كراميش»، ومراكز الرفاه النفسي، ومناطق اللعب الخارجية للأطفال. وهي محاور تتجاوز مفهوم الخدمات البلدية التقليدية، لتلامس جوانب اجتماعية وإنسانية وتنموية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
إن الاستثمار في الطفولة المبكرة ليس مجرد استجابة لاحتياجات آنية، بل هو استثمار طويل الأمد في الإنسان والمجتمع، فالأطفال الذين ينشؤون في بيئات آمنة ومحفزة تتوفر فيها فرص اللعب والتعلم والرعاية، هم أكثر قدرة على بناء مستقبلهم والمساهمة في تنمية مجتمعاتهم. كما أن توفير الخدمات والمرافق الملائمة للأسر يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتحسين جودة الحياة.
ولعل ما يميز المشروع أيضاً أنه يقوم على الشراكة وتكامل الأدوار بين وزارة الإدارة المحلية والبلديات والجامعات والمؤسسات المتخصصة والجهات الداعمة، بما يتيح الاستفادة من الخبرات الأكاديمية والفنية، وتبادل التجارب، وبناء قدرات البلديات، وتطوير مبادرات قابلة للتطبيق والاستدامة.
ومن هنا، فإن نجاح «مدينتي تهتم» لا ينبغي أن يتوقف عند حفل الإطلاق أو الإعلان عن محاوره، بل يتطلب تفاعلاً حقيقياً من البلديات، ودعماً مؤسسياً ومجتمعياً، وحضوراً إعلامياً يعرّف بأهدافه ويشجع على تبني أفكاره والتوسع في تطبيقها.
كما أن التحدي الوطني الذي أُطلق ضمن المشروع، والذي يتيح اختيار عشر بلديات للحصول على الدعم المالي والفني والمعرفي لتنفيذ مشاريع نوعية، يشكل فرصة مهمة أمام البلديات لإعادة التفكير في احتياجات مجتمعاتها المحلية، وتقديم مقترحات عملية ومبتكرة تستجيب لأولويات الأطفال والأسر، وتستثمر الإمكانات المتاحة بصورة أفضل.
وهنا تبرز أهمية الترويج للمشروع إعلامياً ومجتمعياً، فلا بد من أن تصل رسالته إلى المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، وأن يتحول الاهتمام به إلى ثقافة مجتمعية تدعم مبادراته، وتشارك في إنجاحها، وتؤمن بأن بناء المدن الصديقة للأطفال مسؤولية مشتركة وليست مسؤولية البلدية وحدها.
ومن المهم أيضاً ألا يقتصر أثر المشروع على البلديات العشر التي ستحظى بالدعم، فالأفكار والتجارب الناجحة ينبغي أن تكون قابلة للنقل والتطبيق في مختلف البلديات، كلٌّ وفق إمكاناته وأولوياته واحتياجات مجتمعه المحلي.
إن «مدينتي تهتم» ليس مجرد مشروع لتطوير مرافق أو إنشاء مساحات جديدة، بل هو دعوة لإعادة النظر في مفهوم المدينة التي نريدها، وفي طبيعة الخدمات التي نقدمها، وفي المكانة التي نمنحها للطفل والأسرة ضمن خططنا التنموية.
فالمدينة التي تهتم بأطفالها وأسرتها، هي مدينة تهتم بمستقبلها، والبلدية التي تضع الإنسان في صميم أولوياتها، إنما تؤسس لتنمية محلية أكثر شمولاً واستدامة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه من هذا المشروع هو أن تصبح عبارة «مدينتي تهتم» نهجاً تتبناه البلديات، وثقافة يشارك فيها المجتمع، وواقعاً يلمسه المواطن في تفاصيل حياته اليومية، لا مجرد شعار يرتبط بمشروع أو مناسبة.