جفرا نيوز -
بقلم: الدكتورة منى الواكد
للغة سحرها الخاص، وللكلمات نبرة ترددٍ تتجاوز مجرد الحروف المكتوبة أو الأصوات المنطوقة لتستقر في أعماق الروح. منذ الأزل، أدرك البشر أن الكلمة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي طاقة حية متجددة، قادرة على إشعال فتيل الأمل في أظلم اللحظات، أو كسر أعتى القلوب في ثوانٍ معدودة. فما هو أثر الكلمة؟ وكيف تحمل طاقة تؤثر على أجسادنا ونفسياتنا وعلاقاتنا؟
لقد سبق القرآن الكريم والسنة النبوية العلوم الحديثة في تسليط الضوء على عظمة الكلمة وأثرها الراسخ في النفوس؛ فقد ضرب الله تعالى أروع المثل لبيان طاقة الكلمة الطيبة وثبات أثرها حين قال:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ (إبراهيم: 24)
وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم في مصاف العبادات وقرنها بالصدقات، فقال:
«وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» (رواه البخاري ومسلم)
هذا التوجيه العظيم يلفتنا إلى أن أبواب الخير لا تقتصر على المال؛ فتلك الكلمات البسيطة التي نتبادلها في يومنا — كعبارة شكرٍ، أو مواساة لمهمومٍ، أو تشجيع لطامحٍ — هي رصيد حقيقي من الخير كالشجرة الطيبة الممتدة الأغصان، تداوي الخواطر وتنشر السلام ولا تكلف الإنسان شيئاً سوى صفاء النية وطيب المنطق.
تتكامل هذه الحقائق مع ما أثبتته الدراسات الحديثة في علم النفس وعلوم الطاقة البشرية؛ حيث تبين أن للكلمات تردداً اهتزازياً خاصاً تؤثر به على كيان الإنسان. فالكلمات الإيجابية (مثل: الحب، الشكر، السلام) تفرز طاقة تحفز الدماغ على إفراز هرمونات السعادة والراحة، بينما الكلمات السلبية ترفع مستويات التوتر وتؤثر سلباً على الحالة المزاجية والجسدية.
تتجلى قوة الكلمة الطيبة بشكل ملموس في تعاملات الموظفين والعمال اليومية مع الناس. إن الموظف أو العامل الذي ينتقي كلماته بعناية ويقابل المراجعين بعبارات مريحة ودافئة لا يؤدي عمله بحرفية فحسب، بل يُخفف عنهم عبء اليوم ويزيل عن قلوبهم التوتر والقلق.
وعلى مستوى بيئة العمل الداخلية، فإن كلمة تقدير صادقة من صاحب العمل لموظفيه تمتلك سحراً خاصاً؛ فهي وحدها كفيلة بأن تبث فيهم روح الولاء، وتلهمهم للعمل بكل طاقاتهم وبجدٍ لا يلين.
وقد يمر الإنسان بمواقف بسيطة تُثبت كيف أن كلمة واحدة صادقة تظل محفورة في الذاكرة لسنواتٍ. من بين هذه المواقف، موقف حدث في يومٍ كانت البطاقة البنكية قد سُحب منها المبلغ أكثر من مرة بالخطأ، وكان القلق يملأ النفس عند التوقف في محطة المناصير (فرع خلدا بالقرب من مؤسسة المواصفات والمقاييس). وعند طلب التأكد من عمل البطاقة قبل تعبئة الوقود، جاء رد عامل المحطة بكل عفوية وطيبة أردنية أصيلة: "تحت كندرتك، ولا يهمك عبي وضلك ماشية!".
كلمة بسيطة وعفوية، لكنها كانت كفيلة بإزالة كل التوتر، ومسح القلق في لحظةٍ، ولاتزال عالقة في الأذن والقلب حتى اليوم. يا الله ما أجمل الكلمة الطيبة عندما تأتي في وقتها لتيسّر العسير وتثلج الصدر!
في بناء الإنسان، كلمة "أستطيع" أو "أنت قادر" قد تكون طوق نجاة لشخص يوشك على الاستسلام، فهي تمنح الإنسان أجنحة ليحلق فوق الصعاب وتزرع فيه الثقة. وفي المقابل، قد تُبنى على الكلمة الجارحة عقد نفسية لسنواتٍ طويلةٍ؛ فالجسد يبرأ من الجروح، لكن الروح قد تظل نازفة بسبب كلمة قاسية أُلقيت دون إدراك لعواقبها.
تتجاوز قوة الكلمة حدود الأفراد لتصل إلى المجتمعات والأمم؛ فقد تكون الكلمة سبباً حاسماً في حل الخلافات، وإطفاء الفتن، ونشر المحبة والسلام بين القلوب المتنافرة، فتُصلح ذات البين وتئد الشقاق في بداياته. وفي المقابل، قد تكون الكلمة الطائشة أو المؤججة سبباً مباشراً للحروب، وإشعال الفتن، وسفك الدماء، وتمزيق النسيج الاجتماعي. من هنا وجب علينا الحذر الشديد؛ فالكلمة أمانة ومسؤولية كبرى.
من هنا نعم، من هنا تبدأ المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية وأهمية الوعي بما نلفظه وما نكتبه. في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والتعاملات السريعة، أصبحت الكلمة تسافر وتؤثر في أجزاء من الثانية؛ فإما أن تكون صدقة جارية تزرع خيرًا وتترك أثرًا طيبًا، أو وزرًا يحمل صاحبه عواقب وخيمةً. إن تدريب اللسان على انتقاء المفردات الدافئة والداعمة هو مهارة حياتية ترفع من جودة حياة الإنسان ومن حوله.
الكلمة طاقة، والطاقة لا تفنى بل تتجسد واقعاً. فلنحرص على أن تكون كلماتنا بلسماً يطيب الجراح، وضياءً ينير دروب الآخرين استجابةً لهدي قرآننا ونبينا الكريم الذي يرى في الحرف الطيب أثراً ثابتاً وصدقةً. تذكر دائماً أنك تترك أثراً في كل مكان تمر به، وأعظم أثرٍ تبقيه هو الكلمة الطيبة التي تبقى خالدة في قلوب من حولك حتى بعد أن تغادر.