اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

أغرب الميكروبات المكتشفة في العالم

الأربعاء-2026-10-28 04:12 pm
جفرا نيوز -
الكاتب والباحث: د.محمود سمور


عضوالهيئة العامة لاتحاد الكتاب والادباء الاردنيين وعضو المعهد العالمي لتجديد العربي – وحدة الدراسات الطبية والنظم الصحية وعضو المجلس المركزي لحزب العمال .  


أغرب الميكروبات المكتشفة في العالم: كائنات تتحدى حدود العلم وتكشف أسرارالحياة

المقدمة: عالم لا يخطرعلى البال

تخيل نفسك في أعماق محيط مظلم أو بين صخورتغلي أو حتى تحت طبقات جليد هائلة هناك وسط الظلام والضغط والبرودة القاسية تعيش مخلوقات غامضة تتحدى كل ما نعرفه عن الحياة مع التقدم العلمي الهائل ما زال أغلب التنوع الميكروبي على كوكب الأرض مجهولاً تمامًا وكل مخلوق دقيق تم اكتشافه قد يغيرفكرتنا عن بداية الحياة وقدراتها وما قد يصبح ممكنًا في الطب والصناعة أو حتى في الزراعة والبيئة.

الأكثرإدهاشًا أن بعض هذه الكائنات قادرة على النجاة في ظروف مستحيلة مثل حرارة أو برودة شديدة و ضغط عالي وحموضة قاسية وشح الغذاء وغياب الأكسجين ومنها من يعيش على مركبات يصعب تصديقها ومنها من يدخل في سبات طويل لينجو من أصعب اللحظات وبعضها يتعاون مع كائنات أخرى أويتحورفي أوقات الشدة للحفاظ على بقائه.
غرابة الميكروبات ليست فقط في أشكالها وأحجامها ولكن في طريقة حصولها على الطاقة وأساليب التكيف التي تتبعها وتأثيرها العجيب في الإنسان والحيوان والنبات ودورها أكبرمما تتخيل في الحفاظ على توازن كوكبنا البيئي واكتشاف هذه الكائنات رحلة حقيقية لفهم أصل الحياة واستمرارهاوحدودها.

أولًا: أغرب الميكروبات التي اكتُشفت حول العالم

)Extremophiles1- كائنات تفضّل الحياة المستحيلة مثل بكتيريا الإكستريموفيل( 

وهي تُعرف بالكائنات المحبة للظروف القاسية باسم الإكستريموفيل وهي مجموعة متنوعة من الكائنات الدقيقة التي تستطيع النمو في بيئات لا تناسب معظم أشكال الحياة المعروفة وتضم هذه المجموعة بكتيريا وعَتائق وهي مجموعة مستقلة من الكائنات الدقيقة تختلف عن البكتيريا في خصائصها الوراثية والكيميائية الحيوية.
ومن أشهرالأمثلة عليها البكتيريا العتيقة وهي بكتيريا بيروكوكس فايروسس التي عُزلت من بيئات بحرية حرارية وتستطيع النموعند درجات حرارة مرتفعة تقارب 100 درجة مئوية في ظروف مخبرية مناسبة وتتميز بامتلاكها إنزيمات مستقرة نسبيًا في الحرارة ومما يجعلها موضع اهتمام في التكنولوجيا الحيوية .).Pyrococcus furiosus والعمليات الصناعية التي تتطلب درجات حرارة مرتفعة (
كما توجد كائنات محبة للملوحة الشديدة وأخرى تعيش في البيئات الحمضية أوالقلوية وهناك بعض الميكروبات تستطيع الاستمرارفي ظروف تفتقرإلى الأكسجين مستفيدة من مسارات كيميائية بديلة لإنتاج الطاقة.
كيف اكتشف العلماء هذه الكائنات؟ 
فقد أخذوا عينات من الينابيع والفوهات الحرارية وبحيرات الملح والمناجم العميقة وقاموا بزراعتها في مختبرات شبيهة ببيئتها الأصلية وحللوا الحمض النووي والأداء الجيني.
ما فوائد هذه البكتيريا ؟
 أن إنزيماتها تستخدم لتطويرالعمليات الصناعية ودراسة قدرتها على التكيف تساعدنا في فهم حدود الحياة ومن ناحية المخاطرفأن أغلبها لا يشكل تهديدًا للبشرفالكائن الخطيربين المايكروبات قليل ونادر. وتقييمه دائمًا يعتمد على تفاصيل النوع وسلوكه.

بكتيريا تتحمل الإشعاع كأنها خارقة وهي بكتيريا ديناكوكس راديودورانس -2 

لووضعت بكتيريا ديناكوكس راديودورانس وسط موجات من الإشعاع القاتل ستندهش لأن هذه البكتيريا تستطيع الصمود في ظروف تدمرالحمض النووي لكائن آخرحيث اكتُشفت بالصدفة أثناء دراسة فساد الطعام المعلب المُشعّ في خمسينيات القرن الماضي ولم تتلف بل استمرت في العيش.
ما هو سرها؟
 انها تملك آليات متطورة لإصلاح الحمض النووي وبروتينات صلبة في وجه الأكسدة ومنظومة حماية خلوية فعالة.
ما هي فائدتها؟
 فهم كيف تصمد هذه الكائنات يفيد في أبحاث إصلاح الحمض النووي وحتى معالجة بعض الملوثات بالإشعاع من ناحية الأمراض مثلا لذلك بكتيريا ديناكوكس ليست ممرضة شائعة ولا تعيش معنا في ظروف عادية.

بكتيريا تعيش في قلب الصخور: بكتيريا ديسولفوروديس أوداكسفياتور -3 

هذه البكتيريا آية في الغرابة لأنها تقضي حياتها في مياه علقت بين صخورعميقة بلا ضوء شمس أو مصادر تقليدية للطاقة حيث انها اعتمدت في طاقتها على تفاعلات كيميائية مع الكبريت وغيره من المركبات و العلماء صادفوها في مناجم ذهب في جنوب أفريقيا ومن هناك بدأوا فهم عالم كامل من الميكروبات التي لا تحتاج الشمس للبقاء.
كيف نعرف عنها؟
 جُمعت عينات المياه من مناجم عميقة ثم حُللت احماضها النووية ودرس العلماء جيناتها ومسارات الطاقة.
ما هي فائدتها؟
 هذه البكتيريا توسّع أفق بحث نشأة الحياة وتغيرنظرتنا لإمكانية وجود حياة في كواكب أخرى حتى الآن لا يوجد أي دليل على أنها خطرة على الإنسان.

- بكتيريا "كونان": حارسة أسرارالحمض النووي 4 

يسميها العلماء "كونان البكتيريا" لنفس السبب الذي يجعلهم يعجبون ببكتيريا ديناكوكس فلها قدرة خارقة على إصلاح الحمض النووي عند تعرضه لأقسى الظروف وتفسير ذلك أن البكتيريا تملك أنظمة صيانة خلوية مذهلة تحمي وظائفها الأساسية مهما كانت الأضرار.
أهميتها ليست نظرية فقط في دراسة استجابتها والفرق بينها وبين كائنات أقل صموداً ولكن اهميتها انها ساعدت العلماء على معرفة الكثير حول الحماية والإصلاح الجيني وتطوير تطبيقات في الطب والتقنية الحيوية.

بطيئات المشية والمسير: (Tardigrades) بكتيرياعاشقة النجاة في المستحيل -5 

البطيئات تعيش في الماء والطين والتربة فهي ليست  طحالب او ميكروبات بمعناها الدقيق لكنها جديرة بالذكردائماً وهي قادرة على التوقف عن تنفيذ أي عمليات حيوية تقريبًا والدخول في سبات طويل وبعض الأنواع تتحمل الجفاف والبرودة وحتى الإشعاع والفراغ الفضائي فقد ظهرالاهتمام بها منذ القرن الثامن عشروالعلماء اليوم يدرسون كيف تكيفت لتبقى حية مهما تغيرت الظروف.
ما هي فائدتها؟
 ان أبحاث البطيئات مهمة لفهم حماية البروتينات والخلايا والجفاف ويمكن أن تُستخدم تقنيتها في حفظ المواد البيولوجية.

- بكتيريا ميكوبلازما: بكتيريا بدون جدار 6
 
ان بكتيريا الميكوبلازما جنس من الاجناس البكتيرية يعجزالعلماء أحيانًا عن الإمساك به. فما هي سرها؟ انها لا تملك جداراً خلوياً مثل غيرها ولهذا فأن المضادات مثل البنسلين ليست فعالة ضدها وأخطرأنواعها تسبب التهابات الجهازالتنفسي وبعضها مسؤول عن إصابات في الحيوانات أوفساد مزارع الخلايا في المختبرات.
أهميتها البحثية كبيرة  فالخلايا التي تفتقرللجدارتعلّم الباحثين عن الحد الأدنى من متطلبات الحياة وكيفية التعامل مع المضادات الحيوية أما خطرها فعادة يكون محصورًا بأنواع محددة وليس كل الميكوبلازما ضار للبشر.

Ideonella sakaiensis7- بكتيريا تستهلك البلاستيك وأمل في مواجهة التلوث 

 (PET) من الاكتشافات المثيرة للاهتمام العثورعلى بكتيريا ايديونيلا ساكيانيسيس التي تستطيع تفكيك أنواع معينة من البلاستيك التي وُصفت عام 2016 لقدرتها على استخدام بولي إيثيلين تيرفثالات في ظروف محددة PETase and MHETase بمساعدة إنزيمات مثل 
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن بعض أنواع البلاستيك تبقى في البيئة فترات طويلة وتتراكم مخلفاتها في التربة والأنهاروالبحار وقد فتح اكتشاف هذه البكتيريا الباب أمام تطويرعمليات حيوية لتفكيك بعض البوليمرات واسترجاع مكوناتها الكيميائية.

كيف اكتُشفت؟
درس الباحثون عينات بيئية مرتبطة بمخلفات البلاستيك ثم عزلوا كائنات دقيقة وأجروا اختبارات على قدرتها على استخدام البلاستيك أو تفكيكه وبعد تحديد البكتيريا الفعالة عُزلت الإنزيمات المسؤولة عن التحلل ودُرست بنيتها وآلية عملها.

ما فوائدها ومخاطرها؟
قد تسهم هذه الكائنات وإنزيماتها في تطويرتقنيات إعادة تدويرالبلاستيك وتقليل الأثرالبيئي لبعض المخلفات لكن استخدامها الصناعي ما زال يتطلب دراسة الكفاءة والتكلفة والظروف التشغيلية ولا يعني وجودها أن التلوث البلاستيكي يمكن أن يختفي تلقائيًا. كما ينبغي تقييم أي تطبيق بيئي قبل إطلاق الكائنات المعدلة أو استخدامها على نطاق واسع.

ثانيًا: كيف يلتقط العلماء هذه الكائنات العجيبة؟

لم يعد الأمرمجرد النظرفي المجهروانتظارنموالبكتيريا على طبق مختبرفأن اليوم مع تطورالتقنيات اصبح بإمكان العلماء اكتشاف ميكروبات حتى لولم تَنمُ أبداً بالطرق التقليدية فهناك طرق عديدة منها: 
المجاهرالحديثة سواء ضوئية أوإلكترونية فأنها تكشف التفاصيل الخفية لبنية الخلايا .-1 
زراعة الميكروبات تحتاج أوساطاً وبيئات تحاكي الظروف الأصلية لبعض هذه الكائنات المتطلبة . -2 
تقنيات التسلسل الجيني تكشف أدق التفاصيل الوراثية حتى وإن لم تظهرالكائنات بوضوح. -3
4- الميتاجينوميات (تحليل الجينات من عينة بيئية كاملة) أعطتنا نافذة كبيرة على عالم الكائنات الدقيقة دون زرعها. 
 لتحاليل المركبات الحيوية والبروتينات تكشف كيف تستمد الكائنات طاقتها وتنجو .-5 
التصويروالتحليل الكيميائي يعطي العلماء فهماً عميقًا لطبيعة تفاعلها مع البيئة.-6 
العثورعلى جين جديد لا يكفي لوصف كائن بالكامل فدائمًا هناك حاجة للتحقق التجربة وإعادة التقييم و الاكتشاف العلمي الحقيقي يأتي من دمج الملاحظة بالتجربة.

ثالثًا: هل هذه الميكروبات خطريجب أن نخافه أم كنز نستغله؟

الغرابة لا تعني الخطروالطبيعي ليس دائمًا آمنًا والتأثيريرتبط بالنوع والجينات والظروف وطريقة الاتصال بالبشرأوالحيوان أوالنبات وبعض الميكروبات قادرة على المَرَض أو تكوين أغشية تساعدها على التشبث بالأسطح وإفساد الأغذية أوالأدوية أونقل مقاومة المضادات الحيوية لهذا فأن تحليل أي ميكروب جديد في المياه أوخطوط الإنتاج مسألة ضرورية في الصناعات الدوائية والغذائية.

من الناحية الأخرى لا غنى عن الميكروبات فأنها تساعد في تدويرالعناصرالغذائية وتزيد خصوبة التربة و تدخل في صناعة الغذاء والدواء وتُفرزإنزيمات مهمّة وتعالج التلوث وباختصارفأن الموقف العلمي السليم يتلخص في معرفة هذه الميكروبات ودراسة فوائدها ومخاطرها والتعامل معها بوعي واحتياطات كافية.

رابعًا: لماذا دعم المختبرات والباحثين ضروري؟

اكتشاف ميكروب جديد ليس فقط حظًا أواجتهاد شخصي فأننا نحتاج لمختبرات متطورة و فرق مجهزة و تمويل جيد وتعاون بين الجامعات والصناعة ووجود أجهزة حديثة ومجاهردقيقة وأنظمة زراعة متقدمة و أدوات تحليل متنوعة يمنح الباحث فرصة لرؤية ما لا يُرى بالطرق العادية.
وخبرة الباحث أهم من الآلة والأجهزة مهما كثرت لا تعوض عينًا مدرَّبة تلتقط التفاصيل وتسأل الأسئلة الجديدة.
أيضًا من الضروري تدريب الكفاءات الشابة وتوفيرمنح للبحث وتأسيس بنوك عينات وتبادل البيانات بين مختبرات المنطقة والعالم وتطبيق معاييرالجودة وضبط التلوث وأخذ الحيطة في السلامة من أهم شروط ضمان نتائج يمكن الوثوق بها والتعويل عليها.
ولا يكفي النظرللعالم فقط بل هناك ثروة ميكروبية مخفية في بيئاتنا العربية مثل الصحاري والينابيع والبحار والحقول واكتشافها وتحليلها قفزة كبيرة في مواجهة مشكلات قائمة كالتلوث وقلة المياه وتدهورالأراضي.
الاستثمار في البحوث الميكروبية ليس ترفًا بل هو الطريق إلى الابتكاروالصحة العامة والأمن الغذائي ومواجهة أزمات لم تخطرلنا على بال.

الخاتمة: لا تزال أسرارالعالم المجهري أكثربكثيرمما نعرف

كلما اكتشفنا ميكروباً جديداً تزداد دهشتنا من مرونة الحياة وقدرتها على إعادة تعريف نفسها سواء كانت بكتيريا تقاوم الإشعاع أو تعيش في أعماق الصخور أوتبتلع البلاستيك هناك دائمًا مفاجآت.
لكن ما رأيناه لا يمثل إلا قمة جبل الجليد وكثيرمن أماكن الأرض ما زالت أسرارها مخفية عن العلماء وما زالت آلاف الأسئلة تنتظرإجابتها ودعم البحث والمختبرات هوالمفتاح: فمن مختبرصغيرأو شاب فضولي يمكن أن يبدأ كل شيء ممكن اكتشاف يقلب فهمنا للحياة أو يجد حلاً لمشكلة بيئية أوصحية مزمنة.
في عالم الأحياء الدقيقة أصغر كائن قد يحمل أكبرالأسراروأحيانًا تبدأ أعظم الاكتشافات من عينة متواضعة ينتبه لها أحد . وكل ما نحتاجه عقل باحث يسأل ومختبر يمنح الفرصة

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير