اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

اتركوا لأهل الكرك حقّ البكاء بعيداً عن الكاميرا

الثلاثاء-2026-10-27 11:36 am
جفرا نيوز -
محمد الحواري

في الجنازة، يقف أب يحاول أن يستوعب كيف صار عليه أن يودّع ابنه. حوله أهل وأصدقاء، وفي داخله كلام قد لا يقوى على قوله. ثم يأتيه ميكروفون يسأله عن آخر رسالة من ولده. يستدعي الرجل اللحظة، ويغلبه البكاء، وتواصل الكاميرا التسجيل.

هنا يجب أن نسأل عن الصحافة أيضاً: ماذا أضفنا إلى معرفة الناس؟ وماذا أخذنا من قدرة هذا الأب على احتمال مصابه؟

ما وصفته بعض مشاهد التغطية الإعلامية لجنازات ضحايا أحداث الكرك يضعنا أمام سؤال مهني وأخلاقي مؤلم. الاقتراب من وجوه المفجوعين، وملاحقة دموعهم، وتحويل انكسارهم إلى محور للتغطية، كلها ممارسات تستوجب مراجعة جادة. لأهل الضحايا حق في أن يحزنوا، وأن يصمتوا، وأن يودّعوا أحبتهم من دون أن تصبح كل حركة في وجوههم مادة متاحة للجمهور.

ولذلك مرجعيات واضحة. تضع جمعية الصحفيين المحترفين «SPJ» مبدأ «تقليل الضرر» ضمن أسس العمل الصحفي الأخلاقي، وتدعو إلى موازنة حاجة الجمهور إلى المعلومات مع الأذى المحتمل، وإظهار التعاطف مع المتأثرين بالتغطية. وتؤكد أن الوصول إلى المعلومة بصورة قانونية يختلف عن امتلاك المبرر الأخلاقي لنشرها. أي إن قدرة الكاميرا على التقاط المشهد لا تمنحنا، وحدها، حق بثّه. 

وفي البند الرابع من مدونة ممارسة المحررين التي تطبقها الهيئة المستقلة لمعايير الصحافة البريطانية «IPSO»، يُفرد نص واضح للتطفل على الحزن أو الصدمة، يلزم بأن يجري الاقتراب وطرح الأسئلة بتعاطف وتقدير، وأن يُتعامل مع النشر بحساسية. وجود بند مستقل لهذا الأمر يكشف حجم المسؤولية المهنية عند الوقوف أمام إنسان مفجوع. (ipso.co.uk)

في ضوء هذه المبادئ، يصبح الإلحاح على التفاصيل الحميمة للفقد، أو الاستمرار في التصوير عندما يعجز الشخص عن إكمال حديثه، موضع مساءلة أخلاقية حقيقية. فالدموع لا تثبت نجاح السؤال، وقد تكون الإشارة التي كان ينبغي عندها إيقاف المقابلة.

السؤال عن آخر رسالة من ابن رحل ليس محظوراً في ذاته. قد يختار أب، في وقت يناسبه وبإرادته، أن يشارك تلك الرسالة لتبقى ذكرى ولده حاضرة. لكن توقيت السؤال، وطريقة طرحه، واستعداد الأب للإجابة، وما نفعله حين ينهار، هي التي تحدد القيمة الأخلاقية للمقابلة. لا يجوز أن نتعامل مع كل ذكرى موجعة بوصفها فرصة جاهزة لصناعة مشهد مؤثر.

كما أن وجود الأسرة في جنازة عامة لا يعني أنها تنازلت عن خصوصيتها كلها. وعدم اعتراض شخص مفجوع على التصوير لا يكفي للاطمئنان إلى رضاه. من واجبنا أن نفسح له فرصة حقيقية للاختيار، وأن نحترم تردده، وألا نجعله مضطراً إلى الدفاع عن حدوده وهو يودّع ابنه.

أعرف، بحكم عملي الصحفي والإنساني، قيمة الشهادة الإنسانية. وأعرف أن صوت أهل الضحايا قد يحفظ أسماء أحبائهم من النسيان. لكن هذا الصوت يستحق وقتاً آمناً وسؤالاً رحيماً، وتغطية تتذكر أن للإنسان حياة وكرامة تتجاوزان لحظة انكساره أمام العدسة.

والمسؤولية تمتد إلى غرفة الأخبار: من اختار اللقطة؟ ومن قرر تكرارها؟ ومن جعل بكاء الأب عنواناً للمادة؟ المراجعة المطلوبة تشمل قرار السؤال والتصوير والمونتاج والنشر، وتشمل الاعتذار وحذف المقاطع المؤذية حين يتبين تجاوزها.

تستحق الكرك تغطية تشرح ما حدث، وتحفظ ذكرى الضحايا، وتمنح أهلهم مساحة للكلام حين يريدون، وللصمت حين يحتاجون.

أما الأب الذي يقف على باب وداع ابنه، فلا يدين لنا برسالته الأخيرة، ولا بدمعته التالية.

نحن الذين ندين له بأن نعرف متى نخفض الكاميرا.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير