اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

حكاية عشيرة أردنية راسخة في ذاكرة الوطن

الخميس-2026-09-17 08:48 am
جفرا نيوز -
بقلم: د. مهند محمد البدادوة

في الأردن، لا تُقاس العشائر بعدد أفرادها فقط، ولا بمساحة انتشارها، ولا بعدد الأسماء التي حملت من أبنائها مناصب عامة، وإنما تُقاس أيضًا بما تركته من أثر في ذاكرة المكان، وبما قدمه رجالها للوطن والمجتمع، وبقدرتها على المحافظة على روابطها عبر الأجيال.

ومن هذا الباب تأتي حكاية عشيرة البدادوة «البداوي»؛ واحدة من العائلات والعشائر الأردنية التي ارتبط اسمها بتاريخ قديم في المنطقة، وترسخ حضورها في المجتمع الأردني عبر أجيال متعاقبة، حتى أصبح اسمها حاضرًا في أكثر من محافظة ومكان، وفي مؤسسات الدولة ومجالات الحياة العامة.

إنها حكاية اسم لم يبدأ اليوم، ولا ولد مع الدولة الحديثة، وإنما حملته أجيال من الآباء والأجداد، وتناقلته الرواية العشائرية من الكبار إلى الأبناء، وبقيت معه حكايات الأرض والرحيل والاستقرار والمصاهرة والرجولة والنخوة وجمع الكلمة.

من الكرك تبدأ الحكاية

عند العودة إلى الروايات العشائرية المنشورة حول أصل البدادوة، تتكرر الإشارة إلى الكرك، وبخاصة منطقة الطيبة التي عُرفت قديمًا باسم خنزيرة، باعتبارها إحدى أهم المحطات التاريخية في مسيرة العشيرة.

وتذكر إحدى الروايات المنشورة عن عشائر الطيبة أن البداوية جدهم داغر، وأنهم من أهل البدو الأصليين في المنطقة، وأن بعض أفخاذهم انتقلت إلى القدس بعد صراعات عشائرية قديمة. كما تذكر الرواية أسماء عدد من العائلات المرتبطة بالبدادوة وتورد الكرك باعتبارها موطنًا قديمًا للعشيرة.

وهنا تظهر أهمية الكرك في الذاكرة البداوية؛ فالكرك لم تكن مجرد محطة سكن، وإنما مساحة تشكل فيها جزء مهم من الوجود الاجتماعي للعشيرة، ومنها امتدت فروعها إلى مناطق أخرى.

ولهذا ظل اسم الطيبة حاضرًا في الرواية المتوارثة لأبناء البدادوة، باعتبارها واحدة من أهم الجذور التي ارتبط بها تاريخهم.

البدادوة والبطوش... رواية متوارثة

ومن أكثر الروايات تكرارًا في المصادر العشائرية المتداولة أن البدادوة يرتبطون بـ البطوش في الطيبة/خنزيرة، وهي رواية ترد بصورة واضحة في شهادات منشورة لأبناء المنطقة وأبناء العشائر المرتبطة بها.

كما ورد في أحد المصادر أن اسم البداوي كان معروفًا في الطيبة منذ زمن بعيد، وأن الشاعر غنام المرازقة البطوش ذكر البداوي في قصيدة تعود إلى عام 1910، وهي إشارة لافتة إلى حضور الاسم في الذاكرة المحلية قبل تأسيس إمارة شرق الأردن الحديثة.

ومثل كل تاريخ عشائري قديم، تتعدد الروايات أحيانًا حول تفاصيل النسب ومسارات الانتقال، إلا أن الثابت في الذاكرة الشعبية المتداولة هو أن الكرك والطيبة كانتا من أهم محطات تاريخ البدادوة.

والأصل العشائري، في النهاية، ليس مجرد سلسلة أسماء، وإنما ذاكرة كاملة من العلاقات والدم والمصاهرة والمواقف والمساكن والرحلات.

من الكرك إلى القدس... حكاية الجلوة والانتشار

تحمل الذاكرة العشائرية قصة انتقال قسم من البدادوة من الكرك باتجاه فلسطين، وصولًا إلى منطقة بدو قرب القدس.

وترتبط هذه الرواية بما يعرف في التاريخ الاجتماعي للعشائر بـ«الجلوة»، وهي ظاهرة عرفتها المنطقة في أزمنة سابقة نتيجة النزاعات والخلافات العشائرية.

وتشير المصادر المنشورة إلى وجود بداوي في منطقة بدو قرب القدس، وإلى رواية انتقال قسم من العشيرة من الكرك إلى هناك بعد خلافات عشائرية قديمة.

ومن هنا فإن انتشار اسم البداوي في القدس لا يعني بالضرورة أن القدس هي أصل كل البدادوة، كما أن وجود العشيرة في الكرك لا يلغي وجود فروعها في فلسطين.

فالعشائر القديمة لم تكن تعرف الحدود السياسية بصورتها الحالية؛ كانت الأرض مفتوحة للحركة، وكانت فلسطين وشرق الأردن والكرك والقدس فضاءً اجتماعيًا متصلًا، تتحرك فيه العائلات والقبائل بحثًا عن الأمن والماء والرزق والمكان، وتربط بينها المصاهرة والقرابة.

وهكذا أصبح للبدادوة حضور في أكثر من مكان، من الكرك إلى القدس، ومن فلسطين إلى عمّان ومناطق أخرى من المملكة.

اسم بقي رغم تفرق الجغرافيا

ربما كان أجمل ما في قصة البدادوة أن الجغرافيا لم تستطع أن تلغي الاسم.

قد يتغير المكان، وقد تنتقل الأسرة من قرية إلى مدينة، وقد يولد جيل جديد في عمّان بعد أن كان جده في الكرك، وقد تحمل أسرة أخرى ذكرياتها في فلسطين، لكن الاسم يبقى.

البداوي... البدادوة.

اسم حملته البيوت، وحفظته الذاكرة، وعرفته المجالس، وبقي حاضرًا في المناسبات الاجتماعية والعشائرية، وفي الأفراح والأتراح، وفي الجاهات والإصلاح، وفي صلات الرحم.

وهذه هي إحدى أهم خصائص العشائر القديمة: أن المكان قد يتغير، لكن الذاكرة تبقى.

عشيرة أردنية أصيلة وراسخة

حين نتحدث عن البدادوة، فإننا نتحدث عن عشيرة أردنية أصيلة وراسخة، ذات حضور قديم في المجتمع الأردني.

والأصالة هنا ليست شعارًا يُرفع في وجه الآخرين، فكل عشائر الأردن مكونات أصيلة من نسيج هذا الوطن، وإنما المقصود أن البدادوة من العائلات التي لها جذور قديمة، ووجود اجتماعي ممتد، وذاكرة عشائرية واضحة، وحضور متواصل عبر أجيال.

لقد عاش أبناء العشيرة في الأردن، وشاركوا في مسيرة الدولة، وخدموا في مؤسساتها، وأسهموا في الحياة العامة، وكانوا جزءًا من النسيج الذي تشكلت منه الدولة الأردنية الحديثة.

وإذا كان تاريخ الدولة الأردنية قد كُتب بأقلام المؤرخين، فإن جزءًا من تاريخها الاجتماعي حفظته العشائر في صدور الرجال وفي روايات الآباء والأجداد.

والبدادوة واحدة من هذه الحكايات.

رجال في الدولة... ورجال في الميدان

لم يكن حضور البدادوة محصورًا في المجالس العشائرية.

فقد كان لأبناء العشيرة حضور واسع في القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة المختلفة، حتى تكاد لا تخلو عائلة من عائلات العشيرة من أبناء خدموا، أو ما زالوا يخدمون، في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية.

وهذا الحضور ليس مجرد وظيفة، بل هو جزء من علاقة الأردنيين بالدولة؛ علاقة تقوم على الخدمة والانتماء وتحمل المسؤولية.

فمن أبناء البدادوة من ارتدى الزي العسكري، ومنهم من خدم في الأجهزة الأمنية، ومنهم من اختار مهن التعليم والطب والهندسة والإدارة والأعمال، ومنهم من حمل مسؤوليات اجتماعية وعشائرية.

وفي كل بيت تقريبًا حكاية رجل خرج إلى عمله في الصباح وعاد وهو يحمل هم الوطن وهم أسرته.

حضور نيابي يكتب فصلًا جديدًا

ومن أبرز صور الحضور العام للبدادوة وصول أبنائها إلى مجلس النواب الأردني.

فقد كان النائب غازي أحمد حسن البداوي عضوًا في مجلس النواب التاسع عشر، وتثبت السجلات الرسمية لمجلس النواب الأردني عضويته في المجلس، ومشاركته في عدد من اللجان النيابية، ومنها اللجنة الإدارية ولجنة الطاقة والثروة المعدنية ولجنة الخدمات العامة والنقل، إلى جانب مشاركته في لجان الأخوة البرلمانية.

وهذا الحضور لم يكن مجرد اسم عابر في قائمة النواب، وإنما محطة مهمة في المسيرة العامة لأبناء العشيرة، ورسالة بأن أبناء البدادوة موجودون في مواقع المسؤولية الوطنية كما هم موجودون في مواقع الخدمة الاجتماعية.

ثم جاء الدكتور أيمن عودة محمد البدادوة ليكون حاضرًا في مجلس النواب العشرين.

وتؤكد الصفحة الرسمية لمجلس النواب الأردني عضويته في المجلس الحالي، كما تسجل مشاركته في عدد من اللجان، من بينها اللجنة الإدارية، ولجنة الخدمات العامة والنقل، ولجنة الرد على خطاب العرش، ولجنة الريف والبادية.

وبذلك يستمر الحضور النيابي للبدادوة في الحياة السياسية والبرلمانية الأردنية، من مجلس إلى مجلس، في صورة تعكس استمرار مشاركة أبناء العشيرة في الشأن العام.

لكن المجد ليس في البرلمان وحده

قد يظن البعض أن تاريخ العشيرة يكتب بأسماء النواب والوزراء وأصحاب المناصب.

لكن الحقيقة مختلفة.

فالبرلمان محطة، والمنصب محطة، والوظيفة محطة.

أما تاريخ العشيرة الحقيقي فيُكتب أيضًا بأسماء رجال لم يدخلوا قبة البرلمان، ولم تظهر صورهم في الصحف، لكنهم كانوا أصحاب كلمة وموقف.

هناك رجل أصلح بين متخاصمين.

وهناك رجل وقف مع فقير.

وهناك من فتح بيته للضيف.

وهناك من حمل نعش جار أو قريب.

وهناك من وقف في جاهة، أو حضر مناسبة، أو سعى في صلح، أو جمع أبناء عشيرته بعد خلاف.

هؤلاء هم أيضًا صانعو التاريخ.

رجال جمع الكلمة

ومن الأسماء التي تستحق أن تبقى حاضرة في ذاكرة البدادوة أسماء رجال كان لهم دور في جمع أبناء العشيرة وتقريبهم والحفاظ على وحدتها الاجتماعية.

وفي مقدمة هؤلاء يأتي المرحوم الحاج أحمد البداوي، الذي ارتبط اسمه في الذاكرة العشائرية بالسعي إلى جمع أبناء العشيرة وتقريب وجهات النظر بينهم.

ثم يأتي اسم المختار المرحوم عارف إبراهيم البداوي، الذي كان له حضور اجتماعي وعشائري، وأسهم في خدمة أبناء العشيرة والوقوف إلى جانبهم.

ويأتي كذلك المرحوم محمد إبراهيم البداوي، الذي كان يحمل همّ العشيرة باعتبارها بيتًا كبيرًا لأبنائها، وسعى إلى جمع شتاتها وتقريب أبنائها، وإبقاء روابط المحبة وصلة الرحم فوق الخلافات العابرة.

وهؤلاء الرجال لم تكن قيمتهم في لقب أو منصب.

قيمتهم أنهم عرفوا أن العشيرة إذا تفرقت أضعفها الخلاف، وإذا اجتمعت حفظها الاحترام.

العشيرة بيت كبير

العشيرة في مفهومها الحقيقي ليست بديلًا عن الدولة، وليست خصمًا للمؤسسات، وإنما هي جزء من النسيج الاجتماعي الذي عاش إلى جانب الدولة وساهم في بنائها.

والعشيرة القوية هي التي تعرف حدود دورها، وتحترم القانون، وتحافظ على صلة الرحم، وتكرم الكبير، وترعى الصغير، وتفتح باب الإصلاح، وتبقى سندًا اجتماعيًا لأبنائها.

ومن هنا فإن قوة البدادوة ليست في أن يقولوا إنهم أفضل من غيرهم.

بل في أن يعرفوا تاريخهم، ويحترموا جيرانهم، ويحفظوا أسماء رجالهم، ويتركوا للأجيال القادمة إرثًا يليق بالاسم.

بين الكرك وعمّان والقدس... ذاكرة واحدة

ربما تبدو الخريطة اليوم مختلفة.

الكرك لها حدودها.

وعمّان لها أحياؤها.

والقدس لها جغرافيتها السياسية.

لكن ذاكرة الأجداد لم تكن تعرف هذه المسافات بالطريقة التي نعرفها اليوم.

كانت الحكاية تنتقل من فم إلى فم، ومن مجلس إلى مجلس.

كان الجد يقول لحفيده: نحن من هناك.

وكان الأب يحفظ اسم الجد.

وكان الابن يحمل الاسم إلى مدينة جديدة.

وهكذا بقيت سلسلة الذاكرة.

ولهذا لا يمكن أن نختصر البدادوة في مكان واحد.

فهم أبناء رحلة طويلة من الأرض والإنسان والذاكرة.

البدادوة... اسم في الوطن قبل أن يكون اسمًا في العشيرة

أجمل ما يمكن أن يقال عن العشيرة أن أبناءها أصبحوا جزءًا من قصة الوطن.

والبدادوة، عبر حضور أبنائها في مؤسسات الدولة، وفي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وفي المهن المختلفة، وفي الحياة الاجتماعية والعامة، تركوا بصمتهم ضمن هذه القصة.

فمن الكرك بدأت حكايات الأجداد.

ومن القدس حملت بعض الفروع ذكرياتها.

وفي عمّان ومختلف مناطق الأردن نشأت أجيال جديدة.

جيل لم يعد يعرف حياة البادية كما عرفها الأجداد، لكنه يحمل اسمهم.

جيل ولد في المدن، وتعلم في المدارس والجامعات، ودخل الجيش والأجهزة الأمنية والقطاعين العام والخاص، ووصل بعض أبنائه إلى مجلس النواب.

وهكذا لا يبقى التراث شيئًا في الماضي.

بل يتحول إلى مسؤولية في الحاضر.

كلمة إلى أبناء البدادوة

إن حفظ تاريخ العشيرة لا يعني الوقوف عند الماضي.

بل يعني أن نعرف من أين أتينا، حتى نعرف إلى أين نمضي.

أن نذكر أسماء الآباء، لا لنتباهى بهم، وإنما لنتعلم منهم.

أن نتذكر رجال الإصلاح، لا لنكرر زمنهم، وإنما لنحافظ على قيمة جمع الكلمة.

أن نحفظ صلة الرحم.

أن نختلف دون أن نتخاصم.

أن ننتقد دون أن نهدم.

وأن نعرف أن اسم العشيرة أمانة يحملها كل واحد منا أمام أبنائه وأحفاده.

فقد يختلف أبناء البيت الواحد في الرأي، وقد تختلف الأجيال في طريقة التفكير، وقد تتغير الحياة، لكن يبقى هناك شيء واحد لا ينبغي أن يتغير:

أن يبقى الدم رحِمًا، والاسم مسؤولية، والوطن بيتًا للجميع.

وفي الختام...

البدادوة ليسوا مجرد اسم في سجل العشائر.

هم حكاية امتدت عبر الزمن.

حكاية بدأت فصولها في أرض عرفت الرجال، ومرت بالكرك والطيبة، وعبرت إلى القدس، ثم امتدت إلى عمّان ومناطق أخرى من الأردن.

حكاية رجال حفظوا الاسم، ورجال حملوا السلاح في خدمة الوطن، ورجال دخلوا مؤسسات الدولة، ورجال وصلوا إلى مجلس النواب، ورجال جلسوا في المجالس العشائرية، ورجال اختاروا أن يكونوا في الصف الأول عندما احتاجهم الناس.

وفي النهاية، تبقى قيمة العشيرة بما يتركه أبناؤها من أثر.

فإن كان الماضي قد أعطانا الاسم، فإن الحاضر يضع علينا مسؤولية أن نكون جديرين به.

البدادوة... البداوي.

اسمٌ حمله الآباء، ويحمله الأبناء، وسيحمله الأحفاد.

وإذا كانت الأجيال تتغير، فإن أجمل ما يمكن أن نورثه لها ليس فقط أسماء الأجداد، بل أخلاقهم، ووفاءهم، ونخوتهم، وحبهم للوطن، وإيمانهم بأن جمع الكلمة أقوى من كل خلاف.

إهداء

وإلى روح والدي...

المرحوم الشيخ محمد إبراهيم البداوي، رحمه الله رحمة واسعة.

إلى أبي الذي كان يرى العشيرة بيتًا كبيرًا، ويرى أبناءها أهلًا وإخوة، ويحمل همّ جمعهم وتقريبهم.

إلى رجلٍ رحل جسده، وبقي أثره.

إلى من كان اسمه حاضرًا في مجالس أهله، وفي مناسباتهم، وفي أفراحهم وأتراحهم.

إلى من كان يرى أن قوة العشيرة ليست في كثرتها، وإنما في اجتماع كلمتها.

إلى أبي الذي تعلمت منه أن الإنسان قد يغادر الدنيا، لكن سيرته تبقى إذا ترك خلفه أثرًا طيبًا.

رحم الله الحاج أحمد البداوي، ورحم الله المختار عارف إبراهيم البداوي، ورحم الله والدي الشيخ محمد إبراهيم البداوي، ورحم الله كل رجال البدادوة الذين سبقونا إلى رحمة الله.

رحمهم الله جميعًا، وجعل ما قدموه لأهلهم ووطنهم في ميزان حسناتهم.

وستبقى حكايتهم فينا...

فالأسماء قد تُكتب على الورق،

لكن الرجال الحقيقيين...

تكتبهم الذاكرة.

بقلمي
د. مهند محمد البدادوة
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير