اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

زيارة الملك إلى الصين بعيون القانون الدولي

الأربعاء-2026-08-19 01:23 pm
جفرا نيوز -
د. يوسف فايز الدلابيح

في عالم تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع التحولات السياسية والتكنولوجية والبيئية، لم تعد الزيارات الرسمية بين الدول تُقرأ من زاوية الاتفاقيات الاقتصادية وحدها، وإنما باتت تعكس أيضاً طبيعة موقع الدولة في النظام الدولي، وقدرتها على بناء شراكات طويلة الأمد تستند إلى المصالح المتبادلة والاحترام والتعاون.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الزيارة الملكية إلى جمهورية الصين الشعبية باعتبارها محطة مهمة في مسار العلاقات الأردنية الصينية، تتجاوز في دلالاتها الأرقام الاقتصادية إلى أبعاد أوسع تتصل بالتعاون الدولي والتنمية وحقوق الإنسان.

وتكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية بالنظر إلى مكانة الصين في النظام الدولي، وثقلها السياسي والاقتصادي والتكنولوجي، الأمر الذي يجعل تطوير العلاقات معها مجالاً مهماً أمام الأردن لتنويع شراكاته الدولية والاستفادة من الفرص التي تتيحها التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي.

غير أن أهمية العلاقات الدولية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات أو قيمة التبادل التجاري، وإنما بقدرتها على إنتاج آثار إيجابية مستدامة على المجتمعات. وهنا تبرز العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان؛ فالتنمية في المفهوم الحقوقي الحديث ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، وإنما وسيلة لتعزيز قدرة الإنسان على التمتع بحقوقه وحرياته، وتحسين فرصه في العمل والتعليم والحصول على المعرفة والخدمات الأساسية.

ومن هذه الزاوية، فإن أي تعاون اقتصادي أو استثماري بين الأردن والصين يمكن أن تكون له قيمة أكبر عندما يرتبط بنقل التكنولوجيا والخبرات، وتطوير المهارات، وخلق فرص العمل، وتمكين الشباب، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الانتقال إلى مجالات أكثر إنتاجية واستدامة.

وتفرض التكنولوجيا نفسها اليوم بوصفها أحد أهم ميادين التعاون الدولي. فالعالم ينتقل بصورة متسارعة نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، وهو انتقال يفتح فرصاً كبيرة أمام الدول، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديات حقوقية جديدة تتعلق بحماية الخصوصية والبيانات الشخصية، والوصول العادل إلى التكنولوجيا، ومواجهة الفجوة الرقمية.

ولهذا فإن الشراكات الدولية في المجال التكنولوجي لا ينبغي أن تقتصر على استيراد الأدوات والأنظمة، وإنما ينبغي أن تتجه كذلك إلى بناء القدرات البشرية وإنتاج المعرفة، بحيث يكون الإنسان شريكاً في التكنولوجيا وليس مجرد مستخدم لها.

وبالنسبة إلى الأردن، تكتسب قضايا المياه والطاقة والبيئة والتنمية المستدامة أهمية خاصة، نظراً إلى طبيعة التحديات التي تواجه المملكة في هذه المجالات. ومن هنا يمكن للتعاون الدولي، بما في ذلك التعاون مع الصين، أن يسهم في تطوير حلول تقنية وعملية في مجالات المياه والطاقة المتجددة والبنية التحتية، بما يعزز قدرة الدولة على مواجهة تحديات المستقبل.

وهذه المسائل، وإن بدت للوهلة الأولى اقتصادية أو فنية، ترتبط بصورة مباشرة بحقوق الإنسان؛ فالحق في المياه، والحق في بيئة سليمة، والحق في التنمية، والحق في الحصول على فرص العمل والتعليم، كلها أصبحت جزءاً من النقاش الدولي حول بناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

وفي المقابل، فإن قراءة الزيارة من منظور القانون الدولي لا تعني تحويل كل جوانبها إلى قضايا قانونية، وإنما تعني إدراك أن العلاقات بين الدول تقوم في إطار منظومة دولية تحكمها قواعد ومبادئ، وأن التعاون الدولي يمكن أن يكون أداة لتعزيز الاستقرار والتنمية وحماية المصالح المشتركة.

كما أن موقع الصين كقوة دولية وعضو دائم في مجلس الأمن يجعل العلاقات معها ذات بعد يتجاوز العلاقات الثنائية المباشرة، خصوصاً في ظل التحديات التي تشهدها المنطقة والنظام الدولي بصورة عامة. ويظل الحوار والتعاون بين الدول من أهم الوسائل التي يمكن من خلالها دعم الاستقرار والحد من آثار الأزمات والنزاعات على الشعوب.

وفي المحصلة، فإن القيمة الحقيقية لأي زيارة رسمية لا تتوقف عند ما يُعلن خلالها، وإنما تظهر في قدرتها على إنتاج مسارات تعاون مستمرة بعد انتهائها. فالنجاح الدبلوماسي لا يقاس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بمدى تحولها إلى مشروعات وفرص ومعرفة وتنمية تعود بالنفع على المجتمع.

ومن هنا، فإن زيارة الملك إلى الصين يمكن أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من سياسة أردنية تسعى إلى توسيع الشراكات الدولية، والاستفادة من الإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية المتاحة، مع الحفاظ على المصالح الوطنية والثوابت السياسية.

وفي النهاية، تبقى الدبلوماسية وسيلة، ويبقى الإنسان هو الغاية الأهم. فحين تتحول العلاقات بين الدول إلى فرص للتنمية، والمعرفة، والعمل، والاستقرار، فإنها لا تعزز الاقتصاد فحسب، بل تسهم أيضاً في تعزيز منظومة حقوق الإنسان.

فالعلاقات الدولية الناجحة لا تُقاس فقط بما تبنيه الدول من جسور بينها، وإنما بما يصل عبر تلك الجسور إلى الإنسان.

د. يوسف فايز الدلابيح
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير