جفرا نيوز -
بقلم: م. حامد النبابته "مستشار سابق لوزير الطاقة والثروة المعدنية - مستشار سابق لصندوق الأوبك للتنمية الدولية (OFID)"
أُعدت بمناسبة مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي، البحر الميت، 19 تشرين الثاني 2026
الملخص التنفيذي
لم تعد العلاقة الأردنية–الأوروبية علاقة تعاون تقليدي تُقاس بحجم المساعدات أو بعدد الاتفاقيات. فإننا نسعى من خلال هذه الرؤيا بأن نطرح إطارًا متكاملًا لتحويل مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي في البحر الميت (19 تشرين الثاني 2026) من محطة احتفالية إلى نقطة انطلاق فعلية، عبر تسعة فصول متتابعة: من إعادة تعريف السؤال الذي يُطرح على المستثمر، مرورًا بالطاقة والمياه والعقبة كعناصر منظومة واحدة، وصولًا إلى آلية تنفيذية تحوّل مذكرات التفاهم إلى مشاريع منتجة ومصدّرة.
الفكرة المركزية بسيطة وحاسمة في آن: الأردن لا يبيع فرصًا منفردة، بل يقدّم معادلة متكاملة — موقع، استقرار، طاقة متجددة، كفاءات بشرية، وبنية تحتية — تتيح للمستثمر الأوروبي أن يبني من الأردن، لا أن يستثمر فيه فحسب. وحين تلتقي هذه المعادلة برأس المال والتكنولوجيا والمعايير الأوروبية، تصبح النتيجة أكبر من زيادة في أرقام التجارة: إنها قوة اقتصادية أردنية–أوروبية مشتركة، قادرة على إنتاج القيمة وتصديرها وربط أوروبا بالإقليم.
الفصل الأول: افتتاحية - اللحظة والسؤال المختلف
فالمستثمر الأوروبي لا ينبغي أن يأتي إلى الأردن فقط ليبحث عن عائد مالي من مشروع منفرد، وإنما ينبغي أن يرى في الأردن منظومة استثمارية متكاملة يستطيع من خلالها أن ينتج، ويصدر، ويصل إلى الأسواق، ويستخدم الطاقة النظيفة، ويستفيد من الكفاءات الأردنية، ويرتبط بسلاسل القيمة الإقليمية
ان الأسئلة التي نعتقد بان تطُرح أمام المستثمر الأوروبي — ماذا يمكن أن تحقق من الاستثمار في الأردن؟ — هو في جوهره سؤال استراتيجي جديد. إنه ينقل العلاقة من أن تكون الدولة في موقع من يعرض الفرص وينتظر التمويل، إلى دولة تسأل المستثمر: ما الذي تستطيع أن تبنيه هنا؟ ما القيمة التي تستطيع أن تضيفها؟ ما الأسواق التي تستطيع أن تفتحها؟ وما التكنولوجيا التي تستطيع أن تنقلها؟
وهنا تحديدًا يمكن أن يتحول مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي في البحر الميت، والمقرر في 19 تشرين الثاني 2026، إلى محطة مفصلية في العلاقة بين الأردن والاتحاد الأوروبي، خصوصًا أن المؤتمر يأتي في إطار الشراكة الاستراتيجية والشاملة التي أُطلقت بين الجانبين، والمدعومة بحزمة أوروبية تبلغ 3 مليارات يورو للفترة 2025–2027. إن أهمية المؤتمر إذن لا تكمن في أن يجتمع المستثمرون الأوروبيون في الأردن فحسب، بل في أن يخرج المستثمر منه وهو يرى مشروعًا، ومنظومة، وسوقًا، وطاقة، وبنية تحتية، وتمويلًا، وشريكًا، ومستقبلًا.
الفصل الثاني: من جذب الاستثمار إلى صناعة الاستثمار
اعتدنا لسنوات أن يكون السؤال: كيف نجذب المستثمر إلى الأردن؟ لكن المرحلة الجديدة تستحق سؤالًا مختلفًا: كيف نصنع بيئة استثمارية تجعل المستثمر يريد أن يبني في الأردن؟ وهذا فرق جوهري؛ فجذب الاستثمار يعني أن نعرض على المستثمر ما لدينا، أما صناعة الاستثمار فتعني أن نبني له منظومة متكاملة تجعل المشروع قابلًا للتنفيذ والتمويل والتوسع والتصدير.
المستثمر الأوروبي لا يبحث عن أرض فقط، ولا عن إعفاء ضريبي فقط، ولا عن مشروع منفرد. إنه يبحث عن معادلة متكاملة:
مشروع قابل للحياة والتوسع ← أسواق وسلاسل إمداد ← تمويل وضمانات وتكنولوجيا ← بنية تحتية وأرض وتشريعات ← طاقة تنافسية ومياه مضمونة ، وهذه هي النقلة الفكرية التي يحتاج الأردن إلى ترسيخها: ألا يقدّم نفسه دولة تبحث عن مستثمر، بل دولة تبني منصات استثمارية ينمو المستثمر من خلالها. فالاقتصاد الحديث لا يعمل عبر قطاعات منفصلة؛ فمصنع يحتاج إلى كهرباء ومياه ونقل وتمويل وموارد بشرية وأسواق، ومركز بيانات يحتاج إلى كهرباء موثوقة وألياف ضوئية وأمن سيبراني، ومشروع هيدروجين يحتاج إلى طاقة متجددة ومياه وميناء وتخزين ونقل. ولهذا فإن أكبر فرصة أمام الأردن ليست في تقديم عشرات المشاريع المنفردة، بل في ربط هذه المشاريع ببعضها لتكوين منظومة اقتصادية واحدة.
الفصل الثالث: الطاقة - العمود الفقري لا القطاع
حقق الأردن تقدمًا مهمًا في الطاقة المتجددة، لكن الخطوة التالية يجب أن تكون أكثر طموحًا. لا ينبغي أن يكون السؤال: كم ميغاواط إضافية من الطاقة المتجددة نستطيع أن ننتج؟ بل: ماذا نستطيع أن نصنع بهذه الطاقة؟ فالطاقة النظيفة يمكن أن تصبح مدخلًا لصناعة جديدة بالكامل:
تصدير إلى أوروبا والإقليم ← منتجات ذات قيمة مضافة ← صناعات منخفضة الكربون ← هيدروجين أخضر وأمونيا ← كهرباء نظيفة وتنافسية ← شمس ورياح
وهنا تتغير صورة الأردن جذريًا؛ فبدل أن يكون مجرد منتج للكهرباء، يمكن أن يصبح منتجًا للسلع والخدمات التي تعتمد على الكهرباء النظيفة. فأوروبا لا تبحث فقط عن الطاقة النظيفة، بل عن سلاسل توريد أكثر استدامة وصناعات منخفضة الكربون ومصادر موثوقة للمواد والمنتجات والتكنولوجيا. والشراكة الاستراتيجية الأوروبية–الأردنية نفسها تفتح المجال أمام التعاون في الطاقة المتجددة والهيدروجين والتكنولوجيا النظيفة والصناعات عالية القيمة والتعدين والزراعة والصناعات الدوائية. وهنا يمكن أن يصبح الأردن جزءًا من التحول الصناعي الأوروبي، لا مجرد سوق لمنتجاته.
الفصل الرابع: الماء والطاقة والصناعة - معادلة واحدة
يواجه الأردن تحديًا مائيًا استثنائيًا، لكن هذا التحدي يمكن أن يتحول إلى فرصة استثمارية إذا أُدير ضمن منظومة واحدة. فالمياه تحتاج إلى الطاقة، والطاقة النظيفة يمكن أن تخفض تكلفة تحلية المياه، والمياه الإضافية تفتح المجال أمام الصناعة والزراعة، والصناعة تخلق قيمة مضافة ووظائف وصادرات:
وظائف وصادرات ← إنتاج ← صناعة وزراعة ← أمن مائي ← تحلية مياه ← طاقة متجددة
ومشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل المياه من العقبة إلى عمّان، بطاقة مستهدفة تبلغ 300 مليون متر مكعب سنويًا، يقدّم مثالًا واضحًا على إمكانية الربط بين أمن المياه والطاقة والاستثمار والبنية التحتية، وقد أدرجه الاتحاد الأوروبي ضمن المشاريع البارزة في شراكته مع الأردن. ولهذا لا ينبغي أن نُنظر إلى الماء باعتباره عبئًا ماليًا فقط؛ يمكن أن يصبح منصة للاستثمار في التكنولوجيا والطاقة والتحلية وإعادة الاستخدام والصناعة والزراعة الحديثة.
الفصل الخامس: العقبة - من ميناء إلى منصة إقليمية
إذا كانت هناك نقطة يستطيع الأردن من خلالها ترجمة هذه الرؤية على الأرض، فهي العقبة. العقبة ليست ميناءً فقط؛ يمكن أن تصبح ميناءً وطاقة وصناعة ولوجستيات وتخزينًا ووقودًا أخضر ومناطق صناعية ورقمنة وتجارة إقليمية في آن واحد.
فالمستثمر الذي يبني مصنعًا في العقبة لا ينبغي أن ينظر فقط إلى السوق الأردنية، بل إلى الموقع الأردني باعتباره نقطة اتصال بين أوروبا، والخليج، والعراق، وبلاد الشام، والبحر الأحمر، والأسواق الآسيوية. وهنا يتحول الموقع الجغرافي من حقيقة جغرافية إلى أصل اقتصادي، وتتحول العقبة من ميناء إلى منصة إقليمية للإنتاج والتجارة والطاقة.
الفصل السادس: من الاستثمار الأوروبي في الأردن إلى الصناعة الأوروبية من الأردن
النموذج التقليدي
الأردن يستورد ← أوروبا تنتج
النموذج الجديد
المنتج يصدَّر إلى أوروبا والإقليم والعالم ← الإنتاج يتم في الأردن ← الأردن يوفر الموقع والطاقة والكوادر ← أوروبا تنقل التكنولوجيا ← أوروبا تستثمر
وهذا النموذج يحقق مصلحة الطرفين معًا. فالأردن يحصل على الاستثمار والتكنولوجيا والوظائف والإنتاج والصادرات والقيمة المضافة، بينما تحصل أوروبا على قاعدة إنتاج قريبة، وسلاسل توريد أكثر مرونة، وطاقة نظيفة، ووصول إلى أسواق جديدة، وشريك مستقر في منطقة استراتيجية. وهنا تصبح العلاقة شراكة إنتاجية لا مجرد علاقة تمويلية.
والرسالة التي ينبغي أن يحملها الأردن إلى أوروبا يجب ألا تكون: استثمروا في الأردن لأننا بحاجة إلى الاستثمار. بل: استثمروا في الأردن لأن لديكم فيه فرصة لبناء منصة إنتاج وتصدير إقليمية مستقرة، قريبة من الأسواق، مدعومة بالطاقة المتجددة، وقادرة على استيعاب التكنولوجيا الأوروبية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية. وهذا خطاب مختلف تمامًا: لا يقوم على الاحتياج، بل على المصلحة المشتركة. فأوروبا أيضًا أمام فرصة؛ إنها تبحث عن سلاسل إمداد أكثر مرونة، وطاقة نظيفة، وأسواق جديدة، ومواقع إنتاج قريبة، وشركاء مستقرين، وتحول أخضر ورقمي. والمعادلة الحقيقية إذن ليست أن أوروبا تساعد الأردن، بل أن الأردن وأوروبا يستثمران في مصالحهما المشتركة.
وهذه هي الرؤية التي ينبغي أن يحملها الأردن إلى مؤتمر الاستثمار: من الشراكة إلى صناعة المستقبل.