جفرا نيوز -
الدكتورة دانييلا القرعان
هناك أشياء لا يمكن أن تكتبها الكتب وحدها، ولا تحفظها الوثائق الرسمية وحدها، ولا تنقلها الصحف مهما كانت دقتها. هناك تاريخ يسكن في ذاكرة الرجال والنساء ممن عاشوا الأحداث، بشر كانوا قريبين من صناع القرار، أو شاركوا فيها، أو رأوا تفاصيلها بأعينهم، أو سمعوا ما لم يكن متاحاً للرأي العام أن يسمعه في حينه، هؤلاء الشهود لا يبقون إلى الأبد.
من هنا تأتي أهمية تجربة برنامج «شاهد على العصر» الذي قدمه الإعلامي أحمد منصور الذي نجح على مدى سنوات في استضافة شخصيات كانت جزءاً من أحداث عربية كبرى، وفتح معها ملفات سياسية وعسكرية وأمنية وتاريخية شديدة الحساسية، البرنامج لم يكتفِ بسرد الأحداث، بل حاول أن يستنطق الشاهد، ويضعه أمام الأسئلة، والوثائق، والتناقضات، ويترك للأجيال القادمة مادة مسجلة بالصوت والصورة يمكن العودة إليها، واللافت أن الأردن نفسه كان حاضراً في هذه التجربة؛ فقد خصص البرنامج سلسلة طويلة لشهادة الفريق الركن نذير رشيد، مدير المخابرات، ووزير الداخلية الأسبق، تناولت مراحل مهمة من تاريخ الدولة الأردنية، من بداية تأسيس الدولة إلى أحداث عام 1968 وصولاً لأحداث أيلول 1970 وما بعدها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: أين مشروعنا الأردني الخاص لتوثيق تاريخ الأردن من أفواه شهوده؟ نحن أمام سباق مع الزمن،
فالذين شهدوا تأسيس الدولة الأردنية، ومرحلة الاستقلال، وحروب الجيش العربي، وحرب 1948، وتعريب قيادة الجيش، وأحداث 1956، وحرب حزيران، وأحداث أيلول، والتحولات السياسية والاجتماعية التي مرت بها المملكة خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كانوا في ذلك الوقت شباباً ورجالاً في مقتبل العمر، أما اليوم، فقد أصبح كثير منهم في أعمار متقدمة، ومن الطبيعي أن تتناقص أعدادهم عاماً بعد عام، ومع كل شاهد يرحل، لا نفقد إنساناً فقط بل نفقد معه جزءاً من رواية لا توجد في كتاب أو وثيقة أو أرشيف.
وهنا يجب أن ننتبه إلى الفرق بين التاريخ الرسمي والتاريخ المروي. ليس المطلوب أن نستبدل الوثيقة بالشهادة الشخصية، ولا أن نتعامل مع رواية الشاهد باعتبارها الحقيقة المطلقة، على العكس تماماً، المشروع الجاد يجب أن يسجل الشهادة كما هي، ثم يضعها أمام الوثائق والمذكرات والصحف ومحاضر الاجتماعات والمصادر الأخرى، حتى يستطيع الباحث لاحقاً أن يقارن بين الروايات ويحدد نقاط الاتفاق والاختلاف. فالشاهد قد يتذكر، وقد ينسى، وقد يفسر الحدث من زاويته، وقد تكون لديه معلومات لم تكن لدى غيره، لكن هذه كلها أسباب تجعل شهادته أكثر أهمية، لا أقل أهمية والأردن ليس فقيراً بالشهود، لدينا رجال خدموا في القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي - ومسؤولون سابقون، ووزراء، وسفراء، دبلوماسيون، ورجال دولة، وبرلمانيون، وقيادات حزبية ونقابية، وإعلاميون، وصحفيون، وأكاديميون، وأبناء شخصيات سياسية وعسكرية عاصرت المراحل الأولى للدولة، بل إن هناك أجيالاً كاملة تحمل في ذاكرتها تفاصيل الحياة الأردنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية قبل أن تتغير البلاد بصورة جذرية، هنا أيضاً تاريخ المدن والقرى والعشائر والهجرة والتعليم والجيش والإدارة والحياة البرلمانية والصحافة والحركة الوطنية والعلاقات الأردنية العربية، كموضوعات لا تقل أهمية عن التاريخ السياسي الرسمي.
لذلك إن المطلوب ليس برنامجاً تلفزيونياً عادياً، المطلوب مشروع وطني للتاريخ الشفوي الأردني، يمكن يبدأ ببرنامج إعلامي قوي، لكنه لا ينتهي عند الشاشة. برنامج له صحفي محاور يمتلك القدرة على قراءة التاريخ، وليس مجرد مذيع يطرح الأسئلة، صحفي يعرف متى يقاطع الشاهد، متى يتركه يتحدث، ومتى يعود إلى رواية سابقة، متى يضع أمامه وثيقة، متى يسأله: هل أنت متأكد؟، ومتى يقول له: لكن هذه الوثيقة تقول شيئاً آخر، فالنجاح في مثل هذا البرنامج لا يعتمد على شهرة المقدم، وإنما على قدرته على التحقيق في الذاكرة، وأقترح أن يبدأ المشروع بالسنوات الأكثر تعرضاً لخطر فقدان الشهود من تأسيس الإمارة، مروراً بالاستقلال، وحرب 1948، وتعريب قيادة الجيش، وحرب 1967، وصولاً إلى أحداث عام 1970 وبداية السبعينيات، ثم ينتقل تباعاً إلى العقود اللاحقة.
الأهم أن يتم تسجيل الشهادة بالصوت والصورة وبجودة أرشيفية، مع تفريغها كتابةً وفهرستها وحفظها في أرشيف وطني رقمي، بحيث تصبح متاحة للباحثين والجامعات وطلبة التاريخ والإعلام، وفق ضوابط واضحة، بهذه الطريقة لا نكون أمام مقابلة تلفزيونية فحسب، بل أمام وثيقة تاريخية مصورة، والأهم من ذلك كله أن المشروع يجب ألا يكون مشروعاً لكتابة تاريخ رسمي جديد، ولا لمحاكمة الماضي، ولا لتجميل مرحلة أو تشويه أخرى، فالتاريخ لا يحتاج إلى التجميل، والدولة الواثقة من تاريخها لا تخاف من الأسئلة، والتاريخ الحقيقي أكبر من رواية واحدة.
لقد أثبتت تجربة «شاهد على العصر» أن مقابلة واحدة مع شاهد مهم يمكن أن تفتح عشرات الملفات المغلقة، وأن شهادة شخصية واحدة قد تكشف تفاصيل لم تكن معروفة للأجيال اللاحقة، ولكن الوقت ليس في صالحنا، هذه قضية يجب أن تدفعنا إلى التحرك الآن، فإذا انتظرنا خمس سنوات أو عشر سنوات، فقد نجد أنفسنا نبحث عن شهود فلا نجدهم، ونبحث عن تفاصيل لا يبقى منها إلا ذاكرة موروثة، ونبحث عن إجابات لأسئلة كان يمكن أن نطرحها على أصحابها مباشرة.
نريد «شاهد على العصر» أردنياً، ليس تقليداً للبرنامج العربي الشهير، إنما مشروعاً أردنياً بروح أردنية، يبدأ من الشهود الأوائل، ويقرأ تاريخ الدولة من خلال من عاشوه وصنعوه وشاهدوه، نريد صحفياً قادراً على أن يجلس أمام رجل بلغ التسعين، ويقول له:
ماذا تتذكر عن تلك الأيام؟ من كان موجوداً؟ ماذا حدث خلف الأبواب؟ ماذا كنتم تعرفون وقتها؟ وماذا لم تكونوا تعرفون؟ ثم يضع أمامه الوثيقة، ويترك للتاريخ أن يحكم. علينا أن نبدأ الآن، لا غداً. لأن بعض صفحات التاريخ الأردني ما زالت تمشي على قدمين، وإذا لم نسجل شهاداتها وهي بيننا، فقد يأتي يوم نبحث فيه عنها في الكتب، فلا نجد إلا نصف الحكاية، نحن فعلاً في صراع مع الزمن، والزمن، كما نعرف، لا ينتظر أحداً.