اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

اللامركزية لا تبدأ من القانون.. بل من المال

الأحد-2026-08-16 10:36 am
جفرا نيوز -
ماجد السبتيه 

مع اقتراب مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 من مناقشته تحت قبة مجلس النواب، يبدو أن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بشكل الإدارة المحلية أو حدود صلاحيات المجالس البلدية، وإنما بالسؤال الأكثر أهمية: هل تملك البلديات الأدوات المالية التي تمكنها من القيام بالدور التنموي الذي نريده لها؟

فالقانون يستطيع أن يمنح الصلاحيات، وأن يعيد توزيع الأدوار، وأن يضع قواعد أوضح للعلاقة بين المجلس البلدي والجهاز التنفيذي، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع تنمية محلية إذا بقيت البلدية عاجزة عن توليد مواردها وإدارة نفقاتها واستثمار أصولها.

وهنا تحديدًا تبدأ المسألة الحقيقية.

التحول المطلوب اليوم ليس أن تصبح البلدية أكثر قدرة على الإنفاق، وإنما أن تصبح أكثر قدرة على توليد الدخل، وترشيد الإنفاق، وتحويل ما تملكه من أصول وإمكانات إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

والأرقام الأخيرة تقول إن هناك مساحة واسعة للتحرك. فقد انخفضت مديونية البلديات من نحو 630 مليون دينار في عام 2024 إلى 285 مليون دينار في عام 2025، بعد إعفاء وتسديد التزامات مالية بلغت 345 مليون دينار. كما ارتفعت قيمة العطاءات المحالة والمنفذة خلال عام 2025 إلى 96.3 مليون دينار، مقارنة مع 74.6 مليون دينار في عام 2024. وهي مؤشرات مهمة على أن معالجة الاختلالات المالية يمكن أن تفتح مجالًا أوسع أمام العمل البلدي، إذا رافقها إصلاح حقيقي في طريقة إدارة الموارد.

لكن تخفيض المديونية، مهما كان مهمًا، لا يعني أن المشكلة المالية انتهت.

فالبلدية التي تتخلص من جزء كبير من ديونها ثم تعود إلى تمويل نفقاتها الجارية بالاقتراض أو تنتظر التحويلات الحكومية باستمرار، ستجد نفسها بعد سنوات أمام المشكلة ذاتها.

لذلك فإن المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة بسيطة في ظاهرها وصعبة في تطبيقها:

إيرادات ذاتية أعلى + نفقات أكثر كفاءة + استثمار أفضل للأصول = بلدية أكثر استقلالًا وقدرة على التنمية.

وهنا يجب أن نعيد النظر في مفهوم الإيرادات البلدية.

ليس المقصود أن ترفع البلدية الرسوم على المواطن كلما احتاجت إلى المال. فتنمية الإيرادات لا تعني زيادة الأعباء، وإنما تعني أولًا تحسين التحصيل، مكافحة التهرب، تحديث قواعد البيانات، استرداد المستحقات، وتطوير الأنشطة الاستثمارية التي تمتلك البلدية مقوماتها.

بل إن هناك فرقًا كبيرًا بين بلدية تبحث عن إيراد سريع وبلدية تبني مصدر دخل مستدامًا.

فإذا كانت لدى بلدية ما قطعة أرض أو سوق أو مجمع تجاري أو منطقة حرفية أو موقع يمكن تطويره سياحيًا، فإن ترك هذا الأصل دون استثمار يعني عمليًا تجميد رأس مال عام. أما تطويره وفق دراسة جدوى واضحة، سواء بالاستثمار المباشر أو بالشراكة مع القطاع الخاص، فيمكن أن يحوله إلى مصدر إيراد سنوي، ويوفر في الوقت نفسه فرص عمل وحركة اقتصادية في المنطقة.

ولنفترض، على سبيل المثال، أن أصلًا بلديًا لا يحقق حاليًا سوى 20 ألف دينار سنويًا، بينما يمكن تطويره ليحقق 150 ألف دينار سنويًا. الفرق ليس مجرد 130 ألف دينار في سنة واحدة؛ بل 650 ألف دينار خلال خمس سنوات قبل احتساب تكاليف الاستثمار والتشغيل.

هذا هو الفرق بين إدارة الأصل وإدارة القيمة التي يمكن أن ينتجها الأصل.

ومن هنا فإنني أعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال البلديات من مفهوم "إدارة الممتلكات" إلى "إدارة المحفظة الاستثمارية البلدية".

كل أرض، وكل مبنى، وكل سوق، وكل مورد، يجب أن تكون له إجابة واضحة: ماذا يحقق للبلدية؟ وهل يمكن أن يحقق أكثر؟ وما تكلفة تطويره؟ وما العائد المتوقع؟ وما المخاطر؟

وفي المقابل، لا يمكن الحديث عن الاستقلال المالي من دون الحديث عن النفقات.

فالبلدية لا تصبح أكثر قوة بمجرد زيادة إيراداتها إذا كانت الزيادة تذهب بالكامل إلى تضخم النفقات الجارية.

المطلوب هو أن يرتفع نصيب الإنفاق الذي ينتج أصلًا جديدًا أو خدمة أفضل أو إيرادًا مستقبليًا.

بمعنى آخر، عندما تنفق البلدية مليون دينار، يجب ألا يكون السؤال فقط: هل أنفقنا المبلغ وفق القانون؟ وإنما أيضًا: ماذا حصل المواطن والبلدية مقابل هذا المبلغ؟

وهنا نصل إلى مفهوم مهم غالبًا ما يغيب عن النقاش البلدي، وهو العائد من الإنفاق العام.

طريق جديد قد لا يحقق للبلدية إيرادًا مباشرًا، لكنه قد يرفع قيمة الأراضي، ويحفز النشاط التجاري، ويحسن الوصول إلى المناطق الصناعية والزراعية.

وسوق بلدي منظم قد يحقق إيرادًا مباشرًا، وفي الوقت نفسه يوفر بيئة اقتصادية أفضل للتجار والمواطنين.

ومشروع تدوير النفايات قد يبدأ كمشروع بيئي، لكنه يمكن أن يتحول إلى نشاط اقتصادي يولد إيرادًا ويخفض كلفة التخلص من النفايات.

إذن، ليست كل قيمة اقتصادية تظهر في بند الإيرادات مباشرة.

ومن هنا تأتي أهمية ما يتضمنه مشروع القانون من توجه نحو تعزيز الدور التنموي والاستثماري للبلديات، وفتح المجال أمام الشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب توضيح الأدوار بين المجالس المنتخبة والجهاز التنفيذي.

لكن نجاح هذه التوجهات يحتاج إلى شرط أساسي: إدارة مالية بلدية أكثر احترافًا.

لا يمكن أن نطلب من البلدية أن تصبح محركًا للاقتصاد المحلي من دون أن نمتلك فيها كوادر مالية قادرة على إعداد موازنات واقعية، وتحليل التدفقات النقدية، وقياس كلفة الخدمات، وتقييم المشاريع، وإدارة المخاطر، وإعداد دراسات الجدوى، وقياس العائد على الاستثمار.

فالمرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى موظف يعد الموازنة، وإنما إلى إدارة مالية تشارك في صناعة القرار.

وهذا يقودني إلى نقطة أعتقد أنها جوهرية في نجاح الإصلاح: لا بد أن تصبح الموازنة البلدية أداة للتنمية وليست مجرد كشف للنفقات والإيرادات.

عندما تحدد البلدية أهدافها لثلاث أو خمس سنوات، يجب أن يكون لكل هدف كلفة، ولكل مشروع مصدر تمويل، ولكل استثمار عائد متوقع، ولكل دين قدرة واضحة على السداد.

وعندها فقط نستطيع أن نتحدث عن استدامة مالية حقيقية.

لقد أثبتت التجربة الأردنية أن الإصلاح المالي ممكن. انخفاض مديونية البلديات بهذا الحجم خلال عام واحد يمثل خطوة مهمة، لكنه في الوقت ذاته يضع مسؤولية أكبر على المرحلة المقبلة: كيف نحافظ على التحسن ولا نعيد إنتاج أسباب المديونية؟

الإجابة في رأيي لا تكمن في المزيد من الدعم فقط، ولا في المزيد من الرسوم، وإنما في بناء نموذج بلدي قادر على الاعتماد بصورة أكبر على موارده الذاتية.

وهذا لا يعني ترك البلديات الفقيرة لمصيرها؛ فالعدالة بين البلديات تتطلب استمرار الدعم وإعادة توزيع الموارد وفق معايير موضوعية تراعي السكان والمساحة ومستوى الخدمات والقدرة على توليد الإيرادات.

لكن الدعم يجب أن يكون جزءًا من الحل، وليس بديلًا عن الإصلاح.

نحن أمام فرصة حقيقية مع مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد، لكن نجاح القانون لن يقاس بعدد مواده أو اتساع الصلاحيات التي يمنحها، وإنما بما سيحدث على الأرض بعد سنوات من تطبيقه.

هل سترتفع الإيرادات الذاتية؟

هل ستنخفض كلفة الخدمات؟

هل ستزداد المشاريع الاستثمارية؟

هل ستتحول أصول البلديات إلى مصادر دخل؟

هل ستتراجع الحاجة إلى الاقتراض؟

وهل سيشعر المواطن أن البلدية أصبحت أكثر قدرة على حل مشكلاته وتحسين مستوى الخدمات؟

هذه هي المؤشرات التي يجب أن نحاسب بها تجربة الإدارة المحلية.

فاللامركزية في جوهرها ليست مجرد نقل صلاحيات من المركز إلى الأطراف.

اللامركزية الحقيقية هي أن يمتلك المستوى المحلي القدرة على اتخاذ القرار، والموارد اللازمة لتنفيذه، والكفاءة التي تضمن حسن استخدام تلك الموارد، والمساءلة التي تمنع هدرها.

ولهذا، فإن القانون مهم.

لكن المال أهم مما نتصور.

والإدارة المالية الرشيدة ليست تفصيلًا في مشروع الإصلاح؛ بل هي أحد شروط نجاحه.

فالبلدية التي لا تملك موارد مستدامة ستبقى تطلب التنمية، أما البلدية التي تتعلم كيف تصنع مواردها وتستثمرها، فهي التي تستطيع أن تقود التنمية.

وربما تكون هذه هي اللحظة المناسبة لكي ننتقل في الأردن من سؤال: "كم تحتاج البلدية؟" إلى سؤال أكثر أهمية: "كيف نجعل البلدية قادرة على إنتاج جزء أكبر مما تحتاج؟"

عندها فقط يمكن أن تصبح اللامركزية مشروعًا اقتصاديًا وتنمويًا، وليس مجرد مشروع إداري.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير