جفرا نيوز -
عمر خضر الفطافطة
عندما تغيب استقلالية المدقق الداخلي، تُنتهك الرقابة الداخلية، ويُختزل الدور الفعال للتدقيق إلى مجرد ممارسة شكلية لا تتجاوز حدود الأوراق والتقارير؛ عندها لا تكون المؤسسة قد فقدت إحدى أدواتها الإدارية فحسب، بل تكون قد بدأت فعليًا بفقدان قدرتها على حماية نفسها، فالمؤسسات لا تنهار دائمًا بسبب قرار واحد خاطئ، ولا تسقط فجأة بسبب أزمة مالية عابرة؛ ففي كثير من الأحيان يبدأ الانهيار من مكان أكثر هدوءًا وأقل وضوحًا: من ضعف الرقابة الداخلية. يبدأ الأمر بإجراء لا يُطبق، ومخالفة لا تُعالج، وملاحظة رقابية لا تجد طريقها إلى التصحيح، وصلاحية تُمنح دون مساءلة، واستقلالية تُقيّد تحت مبررات إدارية مختلفة. ومع مرور الوقت، تتحول الاستثناءات إلى ممارسة، والممارسة إلى ثقافة، والثقافة إلى بيئة تسمح بالخطأ والتجاوز دون خوف حقيقي من الاكتشاف أو المساءلة.
الرقابة الداخلية ليست عائقًا أمام الإدارة، وليست جهازًا يبحث عن أخطاء الموظفين، كما أنها ليست مجموعة من التعليمات المكتوبة التي تُحفظ في الأدراج. الرقابة الداخلية هي خط الدفاع الذي يحمي موارد المؤسسة، ويعزز سلامة عملياتها، ويحد من المخاطر، ويكشف الانحرافات في الوقت المناسب، ويمنح الإدارة قدرًا معقولًا من التأكيد بأن أهداف المؤسسة تسير في الاتجاه الصحيح، ولهذا فإن قوة الرقابة الداخلية لا تقاس بعدد التعاميم والتعليمات واللجان، وإنما بقدرتها الحقيقية على منع الخطأ واكتشافه وتصحيحه، وبمدى استقلالية الأشخاص المكلفين بتقييمها ومتابعة فاعليتها، وهنا تحديدًا تظهر أهمية المدقق الداخلي، فالمدقق الداخلي الذي لا يتمتع بالاستقلالية الكافية، أو الذي يخشى نتائج تقريره، أو الذي تُفرض عليه قيود تحد من وصوله إلى المعلومات والوثائق والأشخاص، لا يستطيع أن يؤدي دوره بالصورة التي تتطلبها الممارسة المهنية السليمة. وقد يصبح وجوده في بعض الحالات مجرد غطاء شكلي يوحي بوجود الرقابة بينما تكون الرقابة الفعلية قد فقدت تأثيرها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث داخل أي مؤسسة ليس أن يقع الخطأ، فالخطأ جزء من طبيعة العمل البشري، وإنما أن يتكرر الخطأ دون تصحيح، وأن تُعرف المخالفة دون معالجة، وأن تُرفع الملاحظات دون استجابة، وأن تصبح الرقابة موجودة في الهيكل التنظيمي وغائبة في الواقع العملي، وعندما تصل المؤسسة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تعاني فقط من ضعف في نظام الرقابة، بل تبدأ بفقدان أحد أهم عناصر الحوكمة الرشيدة: المساءلة، فغياب المساءلة يضعف المسؤولية، وضعف المسؤولية يفتح الباب أمام التهاون، والتهاون المتكرر يتحول إلى سلوك مؤسسي، والسلوك المؤسسي غير المنضبط يمكن أن يتحول في نهاية المطاف إلى خسائر مالية وإدارية وقانونية وسمعة يصعب ترميمها، ومن هنا، فإن الحديث عن الرقابة الداخلية يجب ألا يُختزل في الحديث عن إجراءات الرقابة أو نماذجها، بل يجب أن يمتد إلى السؤال الأهم: هل تمتلك المؤسسة بيئة رقابية حقيقية تسمح للرقابة بأن تعمل باستقلالية وفاعلية، أم أنها تمتلك فقط شكلًا تنظيميًا يوحي بوجودها؟.
إن المؤسسات القوية ليست تلك التي لا ترتكب الأخطاء، وإنما تلك التي تمتلك نظامًا قادرًا على اكتشاف الخطأ مبكرًا، وتحديد سببه، وتحميل المسؤولية عنه، واتخاذ الإجراء التصحيحي قبل أن يتحول إلى أزمة، ولهذا فإن استقلالية التدقيق الداخلي ليست امتيازًا ممنوحًا للمدقق، بل ضرورة مهنية لحماية المؤسسة. وكلما اتسعت مساحة استقلالية المدقق الداخلي، ازدادت قدرته على ممارسة الحكم المهني الموضوعي، وكلما ضاقت هذه المساحة، أصبح خطر تحول التدقيق الداخلي إلى وظيفة شكلية أكثر اقترابًا من الواقع، المؤسسة التي تضعف رقابتها الداخلية لا تخسر الرقابة فقط؛ إنها تخسر قدرتها على رؤية الخطر قبل أن يتحول إلى خسارة، ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل إدارة ليس: هل لدينا إدارة للتدقيق الداخلي؟ وإنما: هل يستطيع التدقيق الداخلي أن يقول الحقيقة كاملة دون خوف، وهل تجد ملاحظاته طريقها إلى المعالجة؟
فوجود المدقق الداخلي لا يعني بالضرورة وجود رقابة فعالة، ووجود التقارير لا يعني بالضرورة وجود تصحيح، ووجود التعليمات لا يعني بالضرورة وجود التزام، ان الرقابة الحقيقية تبدأ عندما تكون هناك إرادة مؤسسية تحترمها، وإدارة تستمع إليها، ومدقق داخلي يستطيع ممارسة دوره باستقلالية، ونظام مساءلة لا يستثني أحدًا، فالمؤسسة قد تتحمل خسارة مالية، وقد تعالج عجزًا مؤقتًا، وقد تتجاوز أزمة تشغيلية؛ لكنها عندما تفقد رقابتها الداخلية، فإنها تبدأ بفقدان قدرتها على اكتشاف الأخطار التي تهدد وجودها أصلًا.
ولهذا يمكن القول إن ضعف الرقابة الداخلية ليس نتيجة جانبية لمشكلات المؤسسة، بل قد يكون في كثير من الأحيان البيئة التي تسمح لهذه المشكلات بأن تولد، وتتوسع، ثم تتحول إلى أسباب مباشرة في انهيار المؤسسة، والرقابة التي لا تستطيع أن تمنع الانحراف، ولا تكشفه في الوقت المناسب، ولا تضمن تصحيحه، ليست رقابة بالمعنى المهني الحقيقي؛ إنها مجرد وجود شكلي لشيء يفترض أن يكون حيًا وفاعلًا ومؤثرًا، ومن هنا تبدأ مسؤولية الإدارة، ويبدأ معها الاختبار الحقيقي: هل تريد مؤسسة تملك رقابة تُمارس، أم مؤسسة تملك رقابة تُعرض فقط؟
فالفرق بين الاثنتين قد يكون هو الفرق بين مؤسسة تتعثر ثم تنهض، ومؤسسة تتجه نحو الانهيار دون أن تدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.