جفرا نيوز -
المحامي احمد جعفر نوافله
قراءة قانونية في تطور التشريع الأردني وتضييق حبس المدين وضرورة تطوير وسائل التنفيذ
لا تكتمل العدالة بمجرد صدور الحكم القضائي، وإنما تتجسد حقيقتها عندما يصبح الحق قابلاً للتنفيذ والوصول إلى صاحبه. ومن هنا تأتي أهمية التنفيذ الجبري باعتباره المرحلة التي تنتقل فيها الحقوق من نطاق الأحكام والسندات إلى الواقع العملي.
إلا أن التنفيذ الجبري، رغم أهميته في حماية حقوق الدائنين، لا يمكن أن يمارس بصورة مطلقة أو بمعزل عن الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالمدين. فكما أن للدائن حقاً ثابتاً في استيفاء دينه، فإن للمدين أيضاً حقوقاً لا يجوز أن تهدر لمجرد وجود دين في ذمته، خصوصاً عندما يكون غير قادر فعلياً على الوفاء.
وتثير هذه المسألة أهمية خاصة في التشريع الأردني، في ظل التطورات التي شهدها قانون التنفيذ خلال السنوات الأخيرة، والتي عكست توجهاً نحو إعادة رسم العلاقة بين حق الدائن في التنفيذ وحماية المدين من الإجراءات التي قد تمس ذمته المالية أو حريته الشخصية.
التنفيذ على المال لا على الإنسان
يقوم الأصل في المسؤولية المدنية على أن أموال المدين تشكل الضمان العام للوفاء بديونه، وهو ما يجعل الذمة المالية المجال الطبيعي لإجراءات التنفيذ.
ومن هذا المنطلق، اتجهت التشريعات الحديثة إلى الحد من الوسائل التي تمس شخص المدين، والتركيز على أمواله باعتبارها الوسيلة الأساسية للوصول إلى حق الدائن.
وقد انعكس هذا الاتجاه في القانون الأردني من خلال مجموعة من الضمانات التي تحمي المدين من التنفيذ على بعض الأموال الضرورية لمعيشته أو لممارسة مهنته.
فقد استثنى قانون التنفيذ الأردني بعض الضروريات المنزلية والمعيشية من الحجز، كما وفر حماية للأدوات والمعدات اللازمة لممارسة المدين لمهنته أو حرفته، إضافة إلى تنظيم الحجز على الأجور والرواتب بما يترك للمدين جزءاً من دخله اللازم لمواجهة احتياجاته الأساسية.
ولا تبدو هذه الحماية موجهة لمصلحة المدين وحده؛ إذ إن المحافظة على قدرة المدين على العمل والإنتاج قد تكون في مصلحة الدائن أيضاً، لأن تجريد المدين من مصدر رزقه قد يؤدي في النهاية إلى جعله أقل قدرة على الوفاء بالدين.
وبالتالي، فإن الحماية القانونية لبعض أموال المدين لا تعني إهدار حق الدائن، وإنما تهدف إلى تحقيق توازن بين استيفاء الدين والمحافظة على الحد الأدنى من مقومات الحياة والعمل.
ضمانات إجرائية تحمي المدين
لا تقتصر الحماية على الأموال التي لا يجوز الحجز عليها، وإنما تمتد إلى الإجراءات التي تتم أثناء عملية التنفيذ.
فالمدين ليس مجرد طرف سلبي في مواجهة إجراءات التنفيذ، وإنما منحه القانون وسائل قانونية تمكنه من الاعتراض على الإجراءات التي يرى أنها تمت بصورة مخالفة للقانون.
وتبرز هنا أهمية الإخطار التنفيذي ومنازعات التنفيذ والطعن في بعض القرارات الصادرة عن رئيس التنفيذ، باعتبارها وسائل تتيح للمدين مواجهة الإجراءات التنفيذية التي قد يشوبها عيب أو تجاوز.
وتزداد أهمية هذه الضمانات عندما يتعلق الأمر بالحجز على أموال لا يجوز قانوناً الحجز عليها، أو بوجود خلل في إجراءات التبليغ، أو عند نشوء نزاع حول إجراءات التخمين والبيع.
فالرقابة على إجراءات التنفيذ تشكل ضمانة أساسية حتى لا يتحول التنفيذ من وسيلة قانونية للوصول إلى الحق إلى وسيلة للإضرار بالمدين خارج حدود القانون.
حبس المدين.. من الإكراه البدني إلى التنفيذ على الأموال
تبقى مسألة حبس المدين من أكثر المسائل إثارة للنقاش القانوني، نظراً لاتصالها المباشر بالحرية الشخصية.
وقد شهد التشريع الأردني تطوراً مهماً في هذا المجال، خصوصاً مع التعديلات التي اتجهت إلى تضييق نطاق حبس المدين وتوسيع الاستثناءات المرتبطة بالاعتبارات الإنسانية والصحية والاجتماعية.
ويعكس هذا الاتجاه تحولاً في فلسفة التنفيذ؛ فبدلاً من جعل جسد المدين وحريته وسيلة أساسية للضغط عليه، أصبح الاتجاه أكثر تركيزاً على الوصول إلى أمواله وتنفيذ الحق في إطار ذمته المالية.
ويرتبط هذا التطور بالمادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر حبس أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي.
وقد تناول القضاء الأردني هذه المسألة من خلال التمييز بين عدم الوفاء والعجز عن الوفاء؛ فمجرد عدم دفع الدين لا يعني بالضرورة أن المدين عاجز عن الوفاء به.
وفي أحد الأحكام التي تناولت تطبيق المادة (11) من العهد الدولي، اعتبرت محكمة الاستئناف أن الاستفادة من الحظر الدولي تتطلب تحقق شرطين مجتمعين: أن يكون الالتزام تعاقدياً، وأن يكون المدين عاجزاً عن الوفاء، مؤكدة أن مجرد عدم الوفاء لا يساوي بالضرورة العجز عن الوفاء.
وهنا تظهر مسألة دقيقة تتعلق بضرورة التمييز بين المدين الذي لا يستطيع الوفاء فعلاً، والمدين الذي يستطيع الوفاء لكنه يمتنع عنه أو يتعمد المماطلة.
فحماية المدين المعسر أو العاجز عن الوفاء لا ينبغي أن تتحول إلى حماية للمدين المماطل، كما أن مكافحة المماطلة لا ينبغي أن تؤدي إلى معاقبة المدين لمجرد أنه عاجز عن الوفاء.
الحماية لا تعني إسقاط حق الدائن
ربما يكون التحدي الأكبر في هذا المجال هو تحقيق التوازن.
فالدائن الذي يملك حكماً أو سنداً تنفيذياً لا ينبغي أن يبقى عاجزاً عن الوصول إلى حقه، وفي المقابل فإن المدين لا ينبغي أن يفقد جميع مقومات حياته بسبب دين لا يستطيع الوفاء به.
ولهذا فإن تطوير نظام التنفيذ لا ينبغي أن يقوم على حماية طرف على حساب الآخر، وإنما على إيجاد وسائل أكثر كفاءة لتحقيق الحق بأقل قدر ممكن من الضرر.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز البدائل عن الحبس، وفي مقدمتها الوصول الفعال إلى أموال المدين، وتطوير وسائل الاستعلام المالي وتتبع الأموال، بحيث تستطيع دوائر التنفيذ تحديد الأموال القابلة للتنفيذ بدقة وشفافية.
فالوسيلة الأكثر فعالية لاستيفاء الدين ليست بالضرورة حبس المدين، وإنما الوصول إلى المال الذي يمكن التنفيذ عليه.
البيع الودي.. حل يستحق الدراسة
من بين المسائل التي تستحق مزيداً من الاهتمام في تطوير منظومة التنفيذ الأردنية مسألة البيع الودي للأموال المحجوزة.
فالمزاد العلني، رغم كونه الوسيلة التقليدية لبيع الأموال المحجوزة، قد يؤدي في بعض الحالات إلى بيع المال بأقل من قيمته السوقية، الأمر الذي قد يضر بمصلحة المدين، كما قد لا يحقق للدائن أفضل عائد ممكن من المال محل التنفيذ.
أما البيع الودي، إذا تم تنظيمه بضوابط قانونية واضحة وتحت إشراف دائرة التنفيذ، فيمكن أن يوفر فرصة للوصول إلى مشترٍ مناسب وسعر أقرب إلى القيمة الحقيقية للمال، مع اختصار الوقت والنفقات.
وبحسب ما خلص إليه البحث، فإن إدخال البيع الودي كمسار إجرائي أصيل ومستقل يمكن أن يشكل خطوة مهمة في تطوير التنفيذ الجبري في الأردن، بما يحقق مصلحة مشتركة للدائن والمدين.
الاستعلام المالي بديل أكثر فاعلية
وفي الوقت الذي تتجه فيه التشريعات الحديثة إلى الحد من الحبس التنفيذي، تصبح الحاجة أكبر إلى وسائل فعالة للكشف عن أموال المدينين.
ومن هنا تبرز أهمية إنشاء وتطوير منظومة إلكترونية متكاملة للاستعلام المالي، تربط دوائر التنفيذ بالجهات ذات العلاقة، بما يساعد على معرفة الأموال القابلة للتنفيذ والحد من إخفائها أو تهريبها.
فكلما أصبحت عملية الوصول إلى الأموال أكثر فاعلية، تراجعت الحاجة إلى استخدام وسائل الإكراه الشخصي، وأصبح التنفيذ أكثر سرعة ووضوحاً وعدالة.
نحو عدالة تنفيذية متوازنة
إن حماية المدين لا تعني إسقاط حق الدائن، كما أن حماية الدائن لا تعني إطلاق إجراءات التنفيذ دون قيود.
والعدالة التنفيذية الحقيقية تقوم على معادلة واضحة: أن يحصل الدائن على حقه، ولكن بالوسيلة القانونية الأكثر فاعلية والأقل مساساً بكرامة المدين وحريته ومقومات حياته الأساسية.
ويظهر من تطور التشريع الأردني أن هناك اتجاهاً واضحاً نحو تعزيز هذه المعادلة، سواء من خلال حماية بعض أموال المدين من الحجز، أو توفير الضمانات الإجرائية، أو تضييق نطاق الحبس التنفيذي، إلا أن استكمال هذا التطور يحتاج إلى مزيد من العمل التشريعي والإجرائي.
ويأتي في مقدمة ذلك تنظيم البيع الودي للأموال المحجوزة، وتحديث قواعد التخمين والتقييم، وتعزيز منظومة الاستعلام المالي، وتوسيع البدائل عن الحبس، بما يضمن للدائن الوصول إلى حقه دون أن يتحول التنفيذ إلى وسيلة لمعاقبة المدين على عجزه المالي.
وفي النهاية، فإن نجاح منظومة التنفيذ لا يقاس فقط بعدد الأحكام التي تم تنفيذها، وإنما بقدرتها على تحقيق الحق بعدالة وفاعلية وتوازن؛ فالدائن يستحق الحماية، والمدين يستحق كذلك ألا تتحول إجراءات التنفيذ إلى انتقاص من كرامته أو عقوبة على عجزه.
وهنا تكمن فلسفة التنفيذ الحديثة: حق الدائن مصون، وكرامة المدين مصونة، والقانون هو الميزان بينهما.