جفرا نيوز -
بقلم: رائد العورتاني
في كل مرة يقترب فيها الحديث عن تعديل وزاري تبدأ بورصة الأسماء بالارتفاع وتبدأ معها التكهنات من سيغادر ومن سيبقى ومن سيدخل إلى المشهد وكأن القضية كلها تتعلق بتبديل أسماء بين الحقائب بينما السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم هو ماذا يريد الأردن من هذا التعديل وماذا يريد الأردنيون من حكومتهم.
الحقيقة أن الشارع الأردني لم يعد معنياً كثيراً بالأسماء بقدر اهتمامه بالنتائج، المواطن يريد أن يعرف هل سيأتي التعديل بوجوه جديدة تحمل فكراً جديداً هل سنرى وزراء يشعرون فعلاً بالشارع هل ستصل إلى مواقع القرار شخصيات لم تكن جزءاً من دائرة النفوذ التقليدية أم أننا سنشهد مرة أخرى عملية تدوير للوجوه ذاتها بحيث ينتقل الوزير من حقيبة إلى أخرى ويخرج مسؤول ليعود بعد فترة وتبقى المعادلة كما هي، إذا كان التعديل مجرد تغيير كراسي فلا حاجة لأن نسميه تعديلاً.
الأردن اليوم بحاجة إلى جرأة سياسية في اختيار من يتحمل المسؤولية وإلى إعادة النظر في المعايير التي تُبنى عليها عملية اختيار الوزراء، لسنا ضد أصحاب الشهادات ولسنا ضد أصحاب الخبرات ولسنا ضد أبناء العائلات الكريمة فكل أردني مؤهل يستحق الاحترام والفرصة، لكننا ضد أن تتحول الشهادة أو الاسم أو الموقع الاجتماعي أو شبكة العلاقات أو القرب من أصحاب القرار إلى جواز مرور دائم نحو المناصب العامة كما يحدث في كل مرة.
هذا الوطن أكبر من النخب وأكبر من الصالونات السياسية وأكبر من مجموعة أسماء تتكرر في كل حكومة، يا علية القوم الأردن ليس حكراً على أبنائكم، هذه رسالة ليست فيها إساءة لأحد لكنها صريحة.
يا أصحاب الدولة والمعالي والعطوفة وإلى أبناء العائلات الكبيرة وإلى أصحاب النفوذ والمكانة الاجتماعية والسياسية الأردن وطنكم لكنه أيضاً وطن الفقير والعامل والفلاح والموظف والمتقاعد والشاب الذي يبحث عن فرصة، فلا تجعلوا الطريق إلى الدولة يمر دائماً من أبوابكم.
هناك أردنيون لم يرثوا المال ولا النفوذ ولم يجلسوا في الصالونات السياسية ولم يعرفوا كيف يطرقون أبواب المسؤولين لكنهم يمتلكون ما هو أهم من كل ذلك النزاهة والكرامة والخبرة والانتماء والشعور الحقيقي بالناس، هؤلاء يجب أن تكون لهم فرصة.
لماذا لا يكون الوزير ابن قرية بسيطة، لماذا لا يكون الوزير ممن عاش حياة الناس بكل تفاصيلها وعانى من الجوع والفقر لانه الأقل حظاً بين الشعوب ولكنه يمتلك القدرة والفكرة على التطوير والنجاح، لماذا لا يكون في الحكومة شخص يعرف معنى أن ينتظر راتبه آخر الشهر.
لماذا لا يكون هناك وزير جرب البحث عن وظيفة أو عاش أزمة السكن أو وقف في طوابير المؤسسات أو اضطر إلى حساب مصروف أسرته بالدينار، هل الفقر عيب ل يمنع صاحبه من خدمة وطنه وهل عدم امتلاك أعلى الشهادات يعني بالضرورة غياب الكفاءة.
نحن نريد صاحب الاختصاص عندما تكون الوزارة بحاجة إلى اختصاص ونريد صاحب الخبرة عندما تكون الخبرة هي المعيار لكننا نريد أيضاً أن نكسر الصورة النمطية التي تقول إن الوزير لا بد أن يأتي من دائرة اجتماعية محددة أو يحمل مواصفات شكلية محددة، نريد وزيراً يعرف الأردن من الشارع لا من التقارير، المواطن لا يريد وزيراً يعرف معاناته من خلال تقرير يُرفع إلى مكتبه، يريد وزيراً عاشها.
المواطن يريد مسؤولاً عندما يسمع عن ارتفاع الأسعار أن يتذكر ماذا يعني ذلك لأسرة محدودة الدخل، وعندما يسمع عن البطالة أن يرى أمامه شاباً أردنياً يحمل شهادة ويبحث عن عمل، وعندما يتحدث عن الفقر ألا يتعامل معه كرقم في جدول إحصائي بل كأب وأم وأطفال ينتظرون نهاية الشهر، المواطن يريد وزيراً يرى الإنسان قبل الرقم، وهنا تكمن أهمية أن يكون بعض أعضاء الحكومة من رحم المجتمع لا من فوق المجتمع.
السياسة ليست شهادات فقط والإدارة ليست ألقاباً فقط والوزارة ليست وجاهة اجتماعية، الوزارة أمانة والأمانة تحتاج إلى إنسان يخاف الله قبل أن يخاف على منصبه، المواطن يريد وزيراً يقيس قراره بمقدار ما سيبقى في موقعه.
نحتاج إلى وزير يستطيع أن يقول الحقيقة، وزير لا تهزه الواسطة، وزير لا يفتح أبواب الدولة لمصلحة قريب أو صديق، وزير لا ينحني أمام صاحب نفوذ، وزير يعرف أن المنصب مؤقت وأن التاريخ لا يتذكر كم سنة جلس المسؤول على كرسيه وإنما يتذكر ماذا فعل وهو جالس عليه.
المواطن يريد وزيراً إذا أخطأ اعترف وإذا أصاب أنجز وإذا رأى خللاً أصلحه وإذا وجد مظلوماً أنصفه، نريد وزيراً لا يخرج من الحكومة ومعه قائمة من الامتيازات وإنما يخرج وقد ترك خلفه أثراً في حياة الناس.
أبناء الطبقة التي دفعت ثمن الأزمات وارتفاع الأسعار والبطالة وضيق الحال ليسوا هامشاً في المعادلة الوطنية، بل جزء أساسي من الأردن، هذا الوطن لم يبنه أصحاب المال وحدهم، بناه العامل بيده والجندي على الحدود والمعلم في مدرسته والطبيب في مستشفاه والمزارع في أرضه والموظف في مكتبه والسائق في مركبته والأم التي تربي أبناءها والشاب الذي يحاول أن يصنع مستقبله رغم كل الصعوبات.
هؤلاء لهم الحق أن يروا أنفسهم في الدولة وأن يشعروا أن مواقع القرار ليست بعيدة عنهم، التعديل الحقيقي يبدأ من تغيير العقلية والنهج ، إذا أرادت الدولة أن تجعل التعديل الوزاري محطة لاستعادة الثقة فالمطلوب ليس فقط تغيير أسماء وإنما تغيير طريقة التفكير، نريد أن يكون معيار الاختيار واضحاً، النزاهة أولاً والكفاءة ثانياً والقدرة على الإنجاز ثالثاً والانتماء للوطن فوق كل اعتبار، عندها فقط يمكن أن نقول إننا أمام تعديل حقيقي.
الأردن لا يعاني من نقص في الرجال والنساء القادرين ومن الخطأ الاعتقاد أن الأردن لا يملك إلا مجموعة محدودة من الشخصيات القادرة على إدارة الدولة، لكن المشكلة ليست دائماً في عدم وجود الكفاءة، المشكلة أن بعض الكفاءات لا تعرف طريقها إلى مراكز القرار، وهنا يجب أن يكون التغيير، إذا كان هناك تعديل وزاري مرتقب ليكن تعديلاً شجاعاً، ادعموا من الأسماء الجديدة من أبناء المحافظات ادعموا البسطاء ادعموا الوزير الذي لم يرث نفوذاً، لا تخافوا من الإنسان الذي صنع نفسه بنفسه الخوف الحقيقي يجب أن يكون من استمرار النهج الذي يفقد المواطن ثقته بأن الدولة تراه وتسمعه.
نريد حكومة تشعر بنا ويصارحها وتعمل من اجلنا، نريد وزيراً جاء من بين الناس وعاش معنا وعرف وجعنا ثم وصل إلى موقع القرار ليحدثنا، نريد حكومة من أجل الأردن لا من أجل الأسماء نريد وزراء من رحم الشعب لا من صالونات النفوذ، نريد كفاءة ونزاهة وانتماء قبل الاسم واللقب والجاه ذلك هو التعديل الذي ينتظره الأردنيون.