اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

القريناوي تكتب "العشائرية والجلوة"

Friday-2026-08-07 07:50 pm
جفرا نيوز - بقلم: الدكتورة ابتسام الدسيت القريناوي التياها

ابنة البداوة وعشائر بئر السبع

ليست العشائرية في الأردن مجرد رابطة دم أو انتماء اجتماعي، بل هي جزء أصيل من هوية المجتمع الأردني، بما تحمله من قيم النخوة والكرامة والشهامة وإغاثة الملهوف وإكرام الضيف وإصلاح ذات البين.

ومن رحم هذه القيم نشأت منظومة اجتماعية كان لها دور بارز في حفظ التوازن المجتمعي، واحتواء الخلافات، وحقن الدماء، والحفاظ على العلاقات بين أبناء العشائر والعائلات.

وأنا، كابنة للبداوة وعشائر بئر السبع، أؤمن بأن العشائرية الحقيقية ليست في التشدد أو الانتصار للخصومة، وإنما في الحكمة عند الخلاف، والعدل عند الحكم، والتسامح عند المقدرة، والإصلاح عند وقوع النزاع.

الجلوة.. من وسيلة لحقن الدماء إلى ضرورة المراجعة

كانت الجلوة العشائرية في سياقها التاريخي وسيلة لتهدئة النفوس ومنع الاحتكاك والثأر، وإبعاد أطراف النزاع مؤقتًا عن مكان وقوع الحادثة، حتى تأخذ جهود الإصلاح مداها وتعود الأمور إلى نصابها.

لكن المجتمع الأردني اليوم تغير، والدولة تطورت، وأصبحت سيادة القانون والمؤسسات ركيزة أساسية في حماية المجتمع وحقوق أفراده.

ومن هنا، فإن التعامل مع الجلوة يحتاج إلى مراجعة واعية ومتوازنة تحفظ الهدف النبيل منها، وهو حقن الدماء ومنع الثأر، دون أن تتحول إلى معاناة جماعية تطال أشخاصًا لا ذنب لهم، وخاصة النساء والأطفال وكبار السن.

فالعدل لا يكون بالعقاب الجماعي، والإصلاح لا يكون بتحميل الأبرياء تبعات أفعال غيرهم.

العشيرة والقانون.. شراكة لا تعارض

إن قوة العشيرة لا تتعارض مع قوة الدولة، بل إن العشيرة الأصيلة تكون سندًا للدولة عندما تقف مع الحق والقانون، وتسعى إلى الإصلاح، وتحافظ على الأمن والاستقرار.

وفي هذا الإطار، نقدر ونثمن عاليًا الدور الذي تقوم به المستشارية العشائرية برئاسة معالي كنيعان البلوي، وما تبذله من جهود في معالجة الخلافات وتقريب وجهات النظر والمساهمة في الإصلاح وحقن الدماء، بما يعزز السلم المجتمعي.

كما لا بد من الإشادة بالدور الذي يقوم به المحافظون والمتصرفون في التعامل مع القضايا المجتمعية، ونستذكر هنا بكل تقدير عطوفة فيصل المساعيد، محافظ البلقاء، الذي يمثل نموذجًا للمسؤول الذي يجمع بين خبرة ابن العشيرة ومسؤولية رجل الدولة، ويحمل قيم البداوة الأصيلة من حكمة وشهامة وحرص على أمن المجتمع واستقراره.

المرأة العشائرية.. صوت الحكمة والإصلاح

وللمرأة العشائرية دور لا يقل أهمية عن دور الرجل في تعزيز السلم المجتمعي.

فالمرأة في كثير من المواقف تكون صوت الحكمة والتهدئة، وتعمل على تخفيف حدة المواقف، وتقريب وجهات النظر، والدعوة إلى التسامح، وهي إلى جانب عشيرتها وأهلها وجيرانها شريكة في الحفاظ على النسيج الاجتماعي.

ومن هنا، فإن تمكين المرأة من المشاركة في جهود الإصلاح المجتمعي ليس ترفًا، بل هو استثمار في الحكمة والخبرة الاجتماعية التي تمتلكها.

نحو عشائرية تحمي المجتمع

نحن لا نريد التخلي عن موروثنا العشائري الأصيل، بل نريد أن نحافظ على أجمل ما فيه، وأن نطوره بما يتناسب مع متطلبات الدولة الحديثة.

نريد عشائرية تصلح ولا تفرق، تجمع ولا تقصي، تحمي ولا تعاقب، وتنتصر للحق لا للخصومة.

ونريد أن تبقى الجاهة والإصلاح والعفو والصلح أدوات لبناء المجتمع، لا أسبابًا لإطالة النزاع أو تحميل الأبرياء ما لا ذنب لهم.

إن السلم المجتمعي مسؤولية وطنية مشتركة، تتكامل فيها جهود الدولة مع العشيرة والأسرة والمرأة ومؤسسات المجتمع المدني، وكلما تكاملت هذه الأدوار، أصبح الأردن أكثر قوة وتماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات.

وهذا كله ينسجم مع رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في ترسيخ دولة القانون، وتعزيز الأمن والاستقرار، وبناء مجتمع متماسك تسوده قيم العدالة والتسامح والتكافل، ويسنده سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.

حفظ الله الأردن حرًا عزيزًا، وحفظ قيادته الهاشمية، وأدام على وطننا نعمة الأمن والأمان والاستقرار.

عاش الأردن.. وعاشت عشائره الأصيلة.. وعاش شعبه الوفي.        
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير