اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

المثقف في زمن المؤثرين... هل انتهى عصر الفكرة؟

الخميس-2026-08-06 01:12 pm
جفرا نيوز -
بقلم : رولاڤ جودت الأيوبي

ليس من الصعب اليوم أن تجد شخصاً يتحدث لساعات أمام كاميرا هاتفه، ولا أن يحصد ملايين المشاهدات خلال أيام قليلة. الصعب حقاً هو أن تجد فكرةً تعيش أكثر من يوم، أو كتاباً يغيّر طريقة أحدهم في النظر إلى العالم، أو مثقفاً يستطيع أن ينافس الضجيج.

لم يعد السؤال: أين المثقف؟ بل أصبح: هل ما زال أحد يبحث عنه أصلاً ؟

في زمنٍ لم يكن بعيداً لم يكن المثقف مجرد كاتب أو شاعر أو أستاذ جامعي، بل كان شريكاً في صناعة الوعي. كانت مقالاته تُقرأ، وكتبه تُناقش، وكلماته تُنتظر في لحظات التحول والأزمات.
لم يكن يمتلك ملايين المتابعين، لكنه كان يمتلك ما هو أثمن: القدرة على التأثير في طريقة تفكير الناس.

ولعل التاريخ الثقافي العربي يقدم أمثلة واضحة على ذلك.
فلم يكن تأثير طه حسين نابعاً من شهرته، بل من جرأته في طرح الأسئلة وإعادة قراءة المسلمات، ولم يكن إدوارد سعيد مجرد أكاديمي، بل مفكراً غيّر طريقة العالم في قراءة العلاقة بين الثقافة والسياسة والاستعمار.
لم يكن تأثيرهما لحظة عابرة، بل أثراً امتد لعقود، لأن الفكرة الصادقة تعيش أطول من صاحبها.

أما اليوم، فقد تبدّل المشهد.
لم يعد الصوت الأعلى هو الأكثر عمقاً ، ولم تعد الفكرة الأهم هي الأكثر انتشاراً.
أصبحت الخوارزميات تحدد ما نقرأ وما نشاهد، وتحول الاهتمام العام إلى سباق لا يتوقف، يفوز فيه الأسرع، لا الأعمق.

لسنا أمام أزمة مثقف، بل أمام أزمة زمن.

زمن يقيس النجاح بعدد المشاهدات، ويكافئ الاختصار أكثر مما يكافئ التأمل.
زمن أصبح الإنسان يمر فيه على مئات الكلمات كل يوم، لكنه نادراً ما يتوقف أمام جملة واحدة تغيّر قناعته أو تدفعه إلى مراجعة أفكاره.
أصبحنا نستهلك الأفكار كما نستهلك الأخبار؛ بسرعة تكفي للنسيان، لا للفهم.

وربما لهذا السبب، لم يعد المثقف يخسر معركته أمام الجهل، بل أمام التشتت.
فالخصم لم يعد كتاباً ضعيفاً يمكن نقده، بل سيلاً لا ينتهي من المحتوى السريع، الذي يسرق الانتباه قبل أن يمنح العقل فرصة للتفكير.
وعندما تتحول كل دقيقة إلى سباق مع إشعار جديد، تصبح القراءة فعل مقاومة، ويغدو التفكير العميق رفاهية نادرة.

لكن هل تقع المسؤولية على الجمهور وحده؟

الإجابة ليست بهذه البساطة.

فالثقافة نفسها ارتكبت أخطاءها أيضاً . ففي أحيان كثيرة، تحدثت بلغة معقدة لا تصل إلى الناس، وبقيت حبيسة الندوات والقاعات المغلقة، وكأنها تخاطب النخبة فقط.
وبينما كان العالم يتغير بسرعة، تأخر الخطاب الثقافي في البحث عن لغة جديدة تقربه من المجتمع، فترك فراغاً يملأه من يجيد جذب الانتباه، لا من يجيد صناعة الوعي.

ومع ذلك، فإن إعلان وفاة المثقف يبدو حكماً متسرعاً.
فالأفكار لا تموت لأنها لم تتصدر قائمة الأكثر تداولاً، والكتب لا تفقد قيمتها لأنها لم تتحول إلى مقطع قصير، والفن لا يصبح أقل شأناً لأنه لا يناسب مزاج الخوارزميات.

يكفي أن نتأمل أعمالًا مثل «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، أو «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ.
هذه الأعمال لم تُكتب لتتصدر "الترند"، بل لتطرح أسئلة عميقة عن الإنسان والمجتمع والسلطة والهوية.
أثارت جدلاً واسعاً عند صدورها، لكنها لم تعتمد على الضجة كي تعيش.
وبعد عقود طويلة، ما زالت تُقرأ وتُناقش في الجامعات والمنتديات الثقافية، بينما اختفت مئات الأعمال التي حققت شهرة أكبر في زمنها.
الزمن، وحده، هو الناقد الذي لا يجامل.

الخطر الحقيقي ليس في تراجع مبيعات الكتب، ولا في انخفاض عدد الندوات الثقافية، بل في أن يعتاد الإنسان العيش دون أن يسأل.
فالحضارات لم تُبنَ بالإجابات الجاهزة، بل بالأسئلة الجريئة. وعندما تموت الأسئلة، يفقد المجتمع قدرته على التجدد، حتى وإن امتلك أحدث التقنيات وأسرع وسائل الاتصال.

إن الأمم لا تُقاس بعدد الأبراج التي تشيدها، ولا بسرعة الإنترنت التي تمتلكها، بل بمكانة الفكر فيها.
فالمجتمع الذي يهمش المثقف، ويستبدل المعرفة بالانفعال، والقراءة بالعناوين، والحوار بالصراخ، قد يربح سرعة اللحظة، لكنه يخسر عمق المستقبل.

وربما لم يخسر المثقف مكانته لأن الزمن لم يعد يحتاجه، بل لأن الضجيج أصبح أعلى من صوته. لكن الضجيج، مهما ارتفع، لا يصنع حضارة، ولا يبني وعياً، ولا يكتب تاريخاً.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: إذا كان المؤثر قادراً على تغيير ما نشتريه، فمن القادر اليوم على تغيير طريقة تفكيرنا؟ وإذا غاب هذا الدور، فمن سيحمل مسؤولية صناعة الوعي في الأجيال القادمة؟


© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير