اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

حين يصبح الوطن محطة عبور - مشهد أبكاني

الأحد-2026-08-02 12:17 pm
جفرا نيوز -
الدكتورة دانييلا القرعان 

لم يكن ذاك الشاب المغربي الذي حمل والدته على ظهره وهو يعبر نحو إسبانيا يحمل إنسانةً أثقلها العمر فحسب، بل كان يحمل وطناً كاملاً أثقلته الخيبات، صورة واحدة تختزل آلاف التقارير، ومشهد واحد قال ما عجزت عنه الخطب والإحصاءات.

أكثر ما يؤلم في الهجرة ليس عبور الحدود، بل أن يتحول الوطن نفسه إلى مكانٍ يسعى أبناؤه إلى الفرار منه، وأن تصبح لحظة مغادرته مناسبةً للفرح، والوصول إلى الضفة الأخرى عيداً للنجاة، فتلك ليست قصة مهاجر واحد، بل قصة أمةٍ تبحث عن الأمل خارج حدودها، أي وجعٍ يدفع شاباً إلى أن يغامر بحياته في البحر، أو أن يقطع الأسلاك الشائكة، أو أن يترك وراءه أهله وذكرياته، وهو يعلم أن الطريق قد ينتهي بالغرق أو السجن أو الترحيل؟ لا أحد يختار المجهول إذا كان المعلوم يمنحه حياةً كريمة.

في كثيرٍ من بلداننا العربية، لم يعد حلم الشباب تأسيس شركاتهم، أو بناء بيوتهم، أو صنع مستقبلهم في أوطانهم، أصبح الحلم الأول هو الحصول على تأشيرة، أو عقد عمل، أو أي فرصةٍ للرحيل، بل إن بعضهم لم يعد يبحث عن الدول الغنية، وإنما عن أي بلدٍ يوفر له عملاً، ويحفظ كرامته، ويمنحه أملاً لا يجده في وطنه.

أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس أن يخالفها مواطنوها في الرأي، ولا أن يطالبوا بالإصلاح بل أن يفقدوا إيمانهم بها، وأن يقتنعوا أن مستقبلهم لا يمكن أن يُبنى فوق أرضها، عندها تتحول الهجرة من خيارٍ فردي إلى ظاهرة، ومن حلمٍ شخصي إلى ثقافةٍ عامة.

ويبقى السؤال الذي لا بد أن يطرحه كل مسؤول على نفسه: ماذا أشعر وأنا أشاهد أبناء بلدي يتسلقون الأسوار، ويستقلون قوارب الموت، ويُخاطرون بكل شيء ليغادروه؟ هل يكفي أن أُرجع الأمر إلى الظروف الاقتصادية العالمية؟ أم أن في الأمر خللاً داخلياً يستحق المراجعة؟

لا ينبغي أن يكون الخبر الذي تتناقله وكالات الأنباء عن شبابٍ تهرب من أوطانها خبراً عادياً، إنه شهادةٌ قاسية على أن هناك من فقد ثقته بأن الغد يمكن أن يولد في بلده، وهذه ليست مسؤولية الحكومات وحدها، وإن كانت تتحمل النصيب الأكبر، بل هي مسؤولية منظومةٍ كاملة تبدأ بالتعليم، وتمر بالاقتصاد، والعدالة، والإدارة، وتنتهي بثقافة احترام الإنسان.

ليست الهجرة جريمة، وليست الرغبة في تحسين الحياة عيباً. لكن العيب أن تصبح الهجرة هي الحلم الأكبر لجيلٍ كامل، وأن يتحول البقاء في الوطن إلى خيارٍ يفرضه العجز لا القناعة.

الوطن الحقيقي ليس ذلك الذي يمنع أبناءه من المغادرة، إنما الذي يجعلهم لا يفكرون في مغادرته، فالأوطان لا تُحرس بالأسلاك الشائكة ولا بالقوانين وحدها، بل بالعدالة، والحرية، وفرص العمل، والكرامة الإنسانية، وعندما يحمل شابٌ والدته على ظهره بحثاً عن حياةٍ أفضل، فإن السؤال الحقيقي ليس إلى أين يذهب، بل لماذا لم يجد تلك الحياة في وطنه؟
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير