جفرا نيوز -
عوني ذنيبات
تأت أهمية الطريق الملوكي في الأردن من كونه ليس مجرد مسار قديم عبرته القوافل والجيوش، بل هو فصل مهم من فصول التاريخ الأردني، وشاهد حي على أن هذه الأرض كانت عبر آلاف السنين ملتقى للحضارات وممراً للتواصل الإنساني.
ويكتسب الاهتمام بهذا الإرث أهمية أكبر في ظل التوجهات التي يؤكد عليها سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، بشأن ضرورة بناء سردية أردنية تستند إلى تاريخ الأردن وإنجازات أبنائه، وتقدم للعالم صورة واضحة عن هوية الدولة ومسيرتها الحضارية.
فالسردية الوطنية لا تُبنى فقط على الأحداث السياسية الحديثة، بل تستند إلى عمق تاريخي وجغرافي وثقافي، وإلى قصص الأماكن التي حفظت ذاكرة الأجيال. والطريق الملوكي يمثل إحدى هذه القصص الكبرى التي تكشف امتداد الحضارة الأردنية وتجذر الإنسان في هذه الأرض.
يمتد الطريق الملوكي عبر مناطق شكلت قلب التاريخ الأردني؛ من أرض مؤاب في الكرك، مروراً بالطفيلة والبتراء، وصولاً إلى أيلة في العقبة. وعلى امتداده نشأت ممالك، وازدهرت مدن، وتحركت القوافل التجارية، وتلاقت الحضارات.
قبل العصر الروماني ارتبط الطريق بالممالك القديمة، وفي مقدمتها مملكة مؤاب التي تركت بصمتها في تاريخ المنطقة. ثم جاء الأنباط ليحولوا طرق التجارة إلى مصدر قوة حضارية، فجعلوا من البتراء مركزاً عالمياً يربط الجزيرة العربية ببلاد الشام.
وفي العصر الروماني اكتسب الطريق أهمية جديدة بعد إنشاء طريق "فيّا نوفا ترايانا" (Via Nova Traiana)، فأصبح جزءاً من شبكة الإمبراطورية الرومانية الإدارية والعسكرية والتجارية، ولا تزال آثاره من محطات وأميال حجرية ومنشآت شاهدة على تلك المرحلة.
وتبقى محافظة الكرك إحدى أهم حلقات هذا الطريق؛ فهي أرض مؤاب وموطن مواقع تاريخية مثل الربّة واللجون، حيث تتداخل الشواهد الأثرية مع الذاكرة الشعبية التي حفظت أسماء المواقع والدروب القديمة والحكايات المتوارثة عبر الأجيال.
إن جمع هذه الذاكرة المحلية وتوثيقها علمياً يمثل جزءاً مهماً من بناء السردية الأردنية؛ لأن التاريخ ليس فقط ما كتبته الكتب، بل أيضاً ما حفظه الناس من قصص وتجارب مرتبطة بالمكان.
إن إعادة اكتشاف الطريق الملوكي اليوم لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مهمة أثرية فقط، بل مشروعاً ثقافياً وطنياً يربط الماضي بالحاضر، ويقدم للأجيال الجديدة رواية متكاملة عن الأردن بوصفه أرض حضارات متعاقبة وموقعاً إنسانياً مؤثراً في تاريخ المنطقة.
فالأردن يمتلك ثروة لا تقتصر على المواقع الأثرية، بل تشمل القصص التي تقف خلف هذه المواقع، والإنسان الذي عاش فيها، والمسارات التي صنعت التواصل بين مناطقه. والطريق الملوكي واحد من أهم هذه المسارات التي يمكن أن تسهم في تقديم سردية أردنية راسخة، تستند إلى التاريخ، وتستشرف المستقبل.
لقد تغيرت وسائل السفر، وانتهت عصور القوافل القديمة، لكن الطريق الملوكي بقي حاضراً ليقول إن الأرض لا تنسى تاريخها، وإن الأمم التي تعرف جذورها تكون أكثر قدرة على بناء مستقبلها.