اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الأردن وصناعة القرار السيادي في عصر التحولات الكبرى

السبت-2026-08-01 04:47 pm
جفرا نيوز - بقلم: حامد النبابتة
مستشار وزير الطاقه السابق 
مستشارسابق في صندوق الاوبك 
 

حين ترتجف الجغرافيا، يرتجف الاقتصاد كله
في الأسابيع التي اهتزت فيها أسواق الطاقة العالمية على وقع أزمة مضيق هرمز، لم يكن ما جرى مجرد تذبذب عابر في الأسعار. كان اختباراً حقيقياً لفرضية ظلت لعقود تحكم التخطيط الاستراتيجي لأمن الطاقة العالمي: 

أن الممرات الكبرى مستقرة بحكم الضرورة الاقتصادية المتبادلة، وأن العالم يمكنه دائماً الاعتماد على نقطة عبور واحدة لتزويده بما يحتاجه من نفط وغاز.

هذه الفرضية سقطت خلال أيام معدودة. وسقوطها كشف حقيقة كان يسهل تجاهلها في أوقات الهدوء: 
أكثر من خُمس النفط العالمي حوالي 22 مليون برميل يوميا وحصة موازية من الغاز المسال، يمر عبر ممر واحد لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه بضعة عشرات من الكيلومترات. يكفي أن يهتز هذا الممر ليهتز معه الاقتصاد العالمي بأكمله.

العالم يعيد رسم خرائطه

هذه ليست المرة الأولى التي يُذكَّر فيها العالم بهشاشة اعتماده على نقطة اختناق واحدة، لكنها المرة التي تزامنت فيها الأزمة مع سياق عالمي مهيأ فعلاً لإعادة النظر: 

صناديق الثروة السيادية تعيد تقييم تنويع محافظها الجغرافية، وشركات الطاقة الكبرى تعيد تسعير المخاطر التشغيلية لمساراتها البحرية، وحكومات مستوردة كبرى — من أوروبا إلى شرق آسيا — تبحث بجدية غير مسبوقة عن ممرات موازية لا تعتمد كلياً على جغرافيا واحدة قابلة للتعطل.

بعبارة أخرى: العالم لا يبحث فقط عن مزيد من مصادر الطاقة؛ إنه يبحث عن طرق آمنة لإيصالها. ومن يملك ممراً بديلاً موثوقاً، يضع نفسه في موقع تفاوضي لا يتكرر كثيراً في تاريخ الدول.

سؤال لا تملك كل الدول رفاهية تجاهله

حين يبحث العالم عن بديل، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يملك موارد الطاقة؟ بل: 

من يملك الموقع الآمن، والاستقرار السياسي، والقدرة المؤسسية على تشغيل ممر بديل بثقة تُطمئن المستثمرين والدول المستوردة على حد سواء؟

عند الأردن، الإجابة ليست افتراضية، بل قائمة فعلاً على الأرض. فالموقع الجغرافي يضع المملكة في نقطة التقاء نادرة تربط الخليج العربي بالبحر المتوسط وأوروبا، براً وبحراً، عبر ميناء العقبة المطل مباشرة على البحر الأحمر خارج نطاق مضيق هرمز بالكامل.

والاستقرار السياسي، في محيط إقليمي متقلب، يجعل من الأردن استثناءً موثوقاً لدى الشركاء الدوليين والمؤسسات المالية. وشبكة العلاقات المتوازنة مع الخليج والولايات المتحدة وأوروبا والمؤسسات المالية الدولية تؤهله ليكون شريكاً محايداً يقبله أطراف متعددون قد لا يثقون ببعضهم بعضاً بالقدر ذاته.

وميناء العقبة نفسه ليس منفذاً تجارياً تقليدياً فحسب، بل نقطة اتصال محتملة لخطوط الأنابيب، وعقدة لوجستية قابلة للتوسع لإعادة التصدير والتخزين الإقليمي. أما البنية التحتية للطاقة، فتستند إلى الخبرة التراكمية في القطاع، بما في ذلك إداره شبكه كهربائية ناضجة قابلة للتوسع مع الإقليم وأنظمة التخزين بالبطاريات 

كل عنصر من هذه العناصر قائم بالفعل ومُثبت عملياً، لا يحتاج إلى اختراع من الصفر. وهذا يقود إلى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح متزايد: إذا

من هندسة البدائل إلى القرار الاقتصادي السيادي

الفرصة، بطبيعتها، زمنية. فنوافذ إعادة رسم خرائط الطاقة العالمية لا تبقى مفتوحة إلى أجل غير مسمى. فبينما يعيد المستثمرون والدول تقييم مساراتهم وشركائهم في أعقاب أزمة هرمز، 
فإن كل شهر تأخير يعني أن بدائل أخرى من دول أخرى في المنطقة، أو ممرات منافسة قد تُقدَّم لملء الفراغ الذي كان يمكن للأردن ملؤه أولاً. 

القرار السيادي، بحكم تعريفه، لا يُترك ليأتي غداً بما كان يمكن أن يُتخذ اليوم

الفارق بين حكومه تملك مقومات الفرصة وحكومه تستثمرها فعلياً هو فارق بين «هندسة البدائل» و«القرار السيادي». هندسة البدائل هي التحليل والتصور والتخطيط النظري لما هو ممكن. أما القرار السيادي فهو تحويل هذا الممكن إلى التزام وطني: تمويل مُلزم، وحوكمة واضحة، وشراكات دولية موقّعة، وجدول زمني للتنفيذ لا يترك مجالاً للتأجيل.
من هنا تحديداً ينبع اهتمام أوروبا، الباحثة عن أمن إمداد بعيداً عن الاعتماد الأحادي، واهتمام دول الخليج، الباحثة عن قنوات تصدير بديلة تقلل مخاطرها الجيوسياسية الخاصة، واهتمام المؤسسات المالية الدولية، الباحثة عن مشاريع بنية تحتية مستقرة العائد في منطقة تشتد الحاجة فيها إلى الاستقرار الاستثماري


الأردن لا يبحث عن دور… بل يصنعه


الأمم لا تُصنع بالأزمات التي تمر بها، بل بطريقة استجابتها لهذه الأزمات. وأزمة مضيق هرمز، على قسوتها على الاقتصاد العالمي، منحت الأردن ما لا تمنحه سنوات التخطيط الهادئ: لحظة عالمية يُعاد فيها تقييم كل خريطة طاقة قائمة، وفرصة أن يكون الاسم الذي يُذكر حين يُطرح سؤال البديل.

الأردن يملك الجغرافيا، ويملك الاستقرار، ويملك الرؤية المكتملة في مبادرة الممر السيادي للطاقة. ما تبقى ليس تحليلاً إضافياً ولا دراسة جدوى جديدة، بل قرار سيادي واحد يحوّل كل هذه المقومات القائمة إلى مشروع فعلي على الأرض. فالجغرافيا وحدها لا تصنع مكانة الدول؛ القرار هو من يحوّل الجغرافيا إلى قيمة استراتيجية، والرؤية إلى مشروع سيادي، والموقع إلى شراكة إقليمية تخدم أمن الطاقة والتنمية والاستقرار باستثمارات متوقعه ان تزيد عن خمسه مليار دولار إن تم إعداد الدراسات الاستثمارية بشكل مدروس للجهات التمويلية — لا للأردن وحده، بل للمنطقة بأسرها وتتحول الاردن من دوله مستورده للطاقه إلى مصدره مع مكاسب ماليه وتشغيلية للعماله الاردنيه بمختلف تخصصاتها .

فالأردن، في نهاية المطاف، لا يبحث عن دور في هذا التحوّل العالمي؛ بل يملك، إن أراد، أن يصنعه.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير