جفرا نيوز -
الدكتورة دانييلا القرعان
لا يوجد قانون يثير حساسية الأردنيين أكثر من القوانين التي تمس الأرض والعقار، فالعقار في الثقافة الأردنية ليس مجرد أصل مالي أو استثمار، بل إرث عائلي ووسيلة أمان وحق يرتبط بالانتماء والاستقرار، لذلك، لم يكن مستغرباً أن يثير مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية هذه الموجة الواسعة من الجدل، وأن تتسابق التحليلات والتفسيرات، حتى اختلطت الحقائق بالشائعات، وأصبح المواطن يتساءل: هل نحن أمام قانون ينظم القطاع العقاري، أم قانون يغيّر طبيعة العلاقة بين المواطن وملكيته؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها أيضاً ليست بالقدر الذي صوّره الإعلام، فمشروع القانون لا يقوم على فكرة واحدة، بل يجمع بين تحديث إداري طال انتظاره، وبين تعديلات قانونية تمس ملفات شديدة الحساسية، مثل الاستملاك، إزالة الشيوع، وتنظيم تملك غير الأردنيين، ومن هنا جاء الجدل.
إذا بدأنا بالجانب الذي لا يختلف عليه كثيرون، سنجد المشروع يحمل خطوات مهمة نحو تحديث الإدارة العقارية، فالحكومة تسعى إلى تحويل معظم خدمات دائرة الأراضي والمساحة إلى خدمات رقمية، بحيث تصبح معاملات التسجيل ونقل الملكية وإصدار السندات والوثائق وإنجاز الطلبات متاحة إلكترونياً في خطوة من شأنها اختصار الوقت وتقليل البيروقراطية والحد من الأخطاء الإدارية، وهذه تعديلات منسجمة مع مسار التحول الرقمي الذي تتبناه مؤسسات الدولة. لكن الجزء الأكثر حساسية لا يتعلق بالتكنولوجيا إنما بحقوق الملكية نفسها.
من أبرز الملفات التي يعالجها المشروع قضية العقارات المملوكة على الشيوع، مشكلة عمرها عشرات السنين، حيث تبقى آلاف الأراضي والمباني مجمدة بسبب اشتراك عدد كبير من الورثة أو المالكين فيها وعدم وجود اتفاق بينهم على استثمارها أو تقسيمها. يرى واضعو المشروع أن الإبقاء على شرط موافقة جميع الشركاء في بعض الحالات جعل كثيراً من العقارات خارج دورة الإنتاج، لذلك يقترح المشروع الاكتفاء بموافقة مالكي ثلاثة أرباع الحصص في حالات معينة من الإفراز مع الإبقاء على ضمانات قانونية تحفظ حقوق بقية الشركاء. هذه الفكرة يراها البعض حلاً عملياً لمشكلة مزمنة عطلت استثمار آلاف العقارات، بينما ينظر إليها آخرون باعتبارها بداية لتراجع حماية الأقلية من المالكين، حتى وإن بقي حقهم في التعويض أو الاعتراض محفوظاً بالقانون.
أما الملف الذي أثار قدر أكبر من القلق، هو الاستملاك، فكثير من المواطنين يربطون أي تعديل في هذا الباب باحتمال تسهيل استملاك الأراضي لصالح الجهات الرسمية، غير أن قراءة المشروع تظهر أن الحكومة تحاول أيضاً تنظيم مسألة التعويض بصورة أكثر وضوحاً من خلال إلزام الجهة المستملكة دفع بدل الاستملاك خلال مدة محددة، مع ترتيب آثار مالية إذا تأخر السداد، ومع ذلك، فإن حساسية هذا الملف تجعل أي تعديل فيه محل تدقيق واسع، لأن حق الملكية من الحقوق التي كفلها الدستور، ولا يقبل المواطن المساس به إلا في أضيق الحدود وللمنفعة العامة وبضمانات واضحة وعادلة. في خضم النقاش، برزت مخاوف تتعلق بتملك غير الأردنيين للعقارات، وقد ساهمت الشائعات في تصوير الأمر كأن القانون يفتح الباب بلا قيود أمام هذا النوع من التملك، بينما تشير النصوص المقترحة إلى إعادة تنظيم الإجراءات والضوابط، مع استمرار خضوعها للموافقات الرسمية والشروط القانونية، وليس إلى إلغاء القيود القائمة.
لا يمكن إغفال أن المشروع يتضمن كذلك أحكام تنظم بيع العقارات على المخطط، وبعض قواعد الرهن العقاري، بهدف توفير بيئة أكثر وضوحاً للمستثمرين والممولين، وهو ما تراه الحكومة جزءاً من تحسين بيئة الاستثمار وتنشيط السوق العقاري.
ورغم ذلك كله، فإن الجدل الدائر اليوم لا يتعلق بالتحول الرقمي أو بتسهيل المعاملات، بل حول سؤال واحد: هل تحقق التعديلات التوازن بين تسريع الإجراءات وحماية الملكية الخاصة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل الرأي العام والسلطة التشريعية معاً، فالقوانين العقارية ليست قوانين عادية، لأنها تتعامل مع أحد أكثر الحقوق ارتباطاً بحياة الناس واستقرارهم، وكل نص قانوني يحتمل أكثر من تفسير يجب أن يصاغ بدقة تمنع أي تأويل قد ينتقص من حقوق المالكين أو يفتح الباب لاجتهادات غير مقصودة.
في النهاية، لا يبدو أن مشروع القانون هو "الكارثة" التي يصورها البعض، كما أنه ليس مجرد تحديث إداري بسيط كما يراه آخرون، إنه مشروع يحمل إصلاحات ضرورية يحتاجها القطاع العقاري، لكنه يتضمن أيضاً مواد تستحق نقاشاً هادئاً وعميقاً قبل أن تصبح نافذة، لأن نجاح أي قانون لا يقاس بسرعة إنجازه، بل بقدرته على حماية الحقوق، وتعزيز الثقة، وتحقيق المصلحة العامة دون أن يشعر المواطن أن ملكيته أصبحت أقل أماناً مما كانت عليه.