جفرا نيوز -
عوني ذنيبات
الفساد من أخطر الظواهر التي واجهتها الدول عبر التاريخ، لما يترتب عليه من آثار عميقة تمس الأمن والاستقرار، وتضعف مؤسسات الدولة، وتنتقص من هيبة القانون، وتعيق مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد أثبتت التجارب أن الأمم لا تُقاس قوة بنائها بما تمتلكه من موارد وإمكانات فحسب، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة ونزاهة وعدالة.
فالفساد، بمختلف صوره وأشكاله، يؤدي إلى إضعاف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، ويزعزع العلاقة بين المجتمع والسلطة العامة، ويولد شعورًا بعدم المساواة أمام القانون، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الاستقرار السياسي والاجتماعي. فحين يفقد المواطن ثقته بعدالة الإجراءات ونزاهة الإدارة، تتراجع روح الانتماء، وتضعف المشاركة الإيجابية في بناء المجتمع، وهو ما يفتح المجال لظهور الاحتقان والتوتر وفقدان الثقة بالمؤسسات العامة.
كما أن الفساد يترك آثارًا بالغة الخطورة على الأمن الوطني، إذ إن الدولة التي تعاني ضعفًا في النزاهة والشفافية تصبح أكثر عرضة لاختراق مؤسساتها، وتتراجع قدرتها على تنفيذ القوانين وحماية مصالحها العليا. ومن هنا، فإن الأمن لا يقوم على قوة الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما يستند كذلك إلى إدارة رشيدة، وعدالة ناجزة، ومؤسسات تحظى بثقة المواطنين.
أما مؤسسات الدولة، فإنها تتضرر بصورة مباشرة من انتشار الفساد، إذ يؤدي إلى تراجع الكفاءة الإدارية، وإضعاف معايير الجدارة في التعيين والترقية، وتغليب الاعتبارات الشخصية على المصلحة العامة. ونتيجة لذلك، تتراجع جودة الخدمات، وتزداد البيروقراطية، وتضعف قدرة المؤسسات على تحقيق أهدافها، وهو ما ينعكس على الأداء العام للدولة.
ولا تقل الآثار التي تصيب سيادة القانون خطورة عن غيرها؛ فالقانون لا يحقق غايته إلا إذا طُبق على الجميع دون تمييز. أما إذا أصبح النفوذ أو المال وسيلة للإفلات من المساءلة، فإن هيبة القانون تتراجع، ويضعف الشعور بالعدالة، ويصبح احترام النظام العام أمرًا اختياريًا لا التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا. وحسب ابن خلدون: "الظلم مؤذن بخراب العمران"، وهي عبارة تختصر ما يتركه غياب العدالة من آثار على استقرار الدول وازدهارها.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يؤدي الفساد إلى استنزاف المال العام، ورفع كلفة تنفيذ المشروعات، وإضعاف كفاءة الإنفاق الحكومي، كما يؤثر سلبًا في بيئة الاستثمار، ويحد من قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق معدلات نمو مستقرة. ويترتب على ذلك تراجع فرص العمل، وانخفاض مستويات الإنتاج، وتباطؤ عجلة التنمية، فضلًا عن اتساع الفجوة بين فئات المجتمع نتيجة سوء توزيع الموارد.
أما التنمية المستدامة، فلا يمكن أن تتحقق في بيئة ينتشر فيها الفساد، لأن التنمية تقوم على الاستخدام الأمثل للموارد، وعلى التخطيط السليم، وعلى العدالة في توزيع ثمار النمو. وكلما اتسعت دائرة الفساد، تراجعت قدرة الدولة على تنفيذ خططها التنموية، وتأثرت قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات العامة، وهي القطاعات التي تمثل أساس التنمية الشاملة.
إن مواجهة الفساد لا تتحقق بإصدار التشريعات وحدها، وإنما تتطلب تفعيل الرقابة، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ مبدأ المساءلة، وتكريس الشفافية في العمل العام، ونشر ثقافة النزاهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى يبقى القانون المرجع الذي يخضع له الجميع دون استثناء.
وخلاصة القول، فإن مكافحة الفساد ليست مطلبًا إداريًا أو اقتصاديًا فحسب، بل هي ضرورة وطنية تمس حاضر الدولة ومستقبلها. فاستقرار الأوطان، وقوة مؤسساتها، وسيادة القانون، وتحقيق التنمية المستدامة، جميعها أهداف لا يمكن بلوغها إلا في ظل إدارة نزيهة، ومؤسسات كفؤة، وعدالة تُطبق على الجميع، وصونٍ للمال العام باعتباره حقًا للأمة بأسرها.