جفرا نيوز -
كتبت - الدكتورة دانييلا القرعان
كلما طُرح قانون جديد للإدارة المحلية، انقسمت الآراء بين مؤيد يرى فيه خطوة إصلاحية، ومعارض يخشى أن يكون مجرد إعادة ترتيب للمشهد الإداري تحت عنوان "التحديث" وبين الرأيين، يقف المواطن متسائلاُ: ماذا سيتغير في حياته اليومية؟
الحقيقة أن التجربة الحالية لم تحقق كل ما كان مأمولاً منها، فالتداخل في الصلاحيات بين البلديات، ومجالس المحافظات، والوزارات، خلق حالة من ضبابية المسؤولية. وعندما يتعثر مشروع أو تتأخر خدمة، تضيع المسؤولية بين أكثر من جهة، بينما يبقى المواطن هو الخاسر.
لكن القراءة السياسية للنقاش الدائر اليوم توحي بأن القضية تتجاوز مجرد تعديل قانون، فهناك من يرى أن الدولة تتجه إلى إعادة صياغة الإدارة المحلية بما يتواءم مع مشروع التحديث السياسي والإداري، ويجعل مؤسسة الحكم المحلي أكثر انسجاماً مع السياسات العامة للدولة، وأقل تضارباً في الاختصاصات.
في المقابل، يخشى آخرون أن يؤدي تقليص صلاحيات المجالس المنتخبة أو إعادة توزيع السلطات لمصلحة الإدارة المركزية إلى إضعاف فكرة اللامركزية التي قُدمت أساساً لتقريب القرار من المواطن.
قد يكون السيناريو الأكثر ترجيحاً أن يتضمن القانون إعادة تنظيم العلاقة بين البلديات ومجالس المحافظات، مع مراجعة الصلاحية وآلية التمويل والرقابة، وربما إعادة النظر في بعض هياكل الإدارة بهدف تقليل الازدواجية ورفع كفاءة الإنفاق العام، وهذه مجرد قراءة استشرافية لما يدور في النقاش العام، وليست تأكيداً لما سيتضمنه مشروع القانون.
وفي جميع الأحوال، فإن نجاح أي قانون لا يقاس بعدد مواده أو العناوين التي يحملها، بل بالإجابة عن أسئلة بسيطة يطرحها المواطن: هل ستتحسن الخدمات؟ هل ستُنجز المشاريع بسرعة أكبر؟ هل سيعرف المواطن من يحاسب عندما تتعطل مصالحه؟
وهل ستبقى الانتخابات المحلية وسيلة حقيقية للتأثير أم تتحول إلى استحقاق شكلي؟
الحكومة، بلا شك، ستدافع عن أي تعديلات باعتبارها جزءاًّ من مشروع الإصلاح الإداري وترشيد الإنفاق ورفع كفاءة المؤسسات، أما المعارضون سيطالبون بضمانات تحافظ على المشاركة الشعبية والرقابة المحلية، وتمنع عودة المركزية بصورة جديدة.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: من سيربح من القانون؟ بل: هل سيربح المواطن؟ فإذا شعر الأردني بعد سنوات بأن الخدمات أصبحت أفضل، والقرار أقرب إليه، والمساءلة أوضح، فسيكون القانون قد نجح، أما إذا بقيت الأسماء تتغير بينما تبقى المشكلات كما هي، فإن الجدل سيستمر مهما تغيرت النصوص.
إن الأردن اليوم بحاجة إلى إدارة محلية قوية، تمتلك الصلاحيات والموارد، وتتحمل المسؤولية أمام الناس. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير المسمى بل من تمكين المؤسسات وتعزيز الشفافية، وجعل المواطن شريكاً في القرار لا مجرد متلقٍ للخدمة.