اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

تحالفات الاردن و ضرورات الجغرافيا

الخميس-2026-07-23 10:06 am
جفرا نيوز -
عوني ذنيبات

منذ عقود، يتعرض الأردن لانتقادات متكررة تتهمه بالارتماء في أحضان الغرب، بدءًا من بريطانيا وصولًا إلى الولايات المتحدة، وتُعاد اليوم الأسطوانة ذاتها مع كل حديث عن الشراكة الدفاعية الأردنية الأمريكية أو وجود قوات ومنشآت عسكرية أمريكية على الأراضي الأردنية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعيدًا عن الشعارات والمزايدات هو: ماذا يُعيب دولة ذات سيادة في أن تبحث عن كل ما يحفظ أمنها واستقرارها؟
ولنفترض –جدلًا– صحة كل ما يُقال عن حجم هذه الشراكة، فهل أصبح السعي إلى حماية الوطن تهمة؟ وهل يُطلب من دولة تقع في قلب أكثر مناطق العالم اضطرابًا أن تدير ظهرها لمقتضيات أمنها القومي؟
الأردن ليس دولة عظمى تمتلك موارد لا تنضب أو عمقًا استراتيجيًا واسعًا، بل هو دولة محدودة الإمكانات، قليلة الموارد، تقع في محيط ملتهب، أحاطت به الحروب والأزمات من كل اتجاه. وقد استقبل خلال العقود الماضية موجات لجوء متعاقبة فرضت عليه أعباءً اقتصادية واجتماعية وأمنية هائلة، في الوقت الذي ظل فيه حريصًا على حماية حدوده والحفاظ على استقراره ومنع انتقال الفوضى إلى الداخل.
في مثل هذه البيئة، تصبح التحالفات الأمنية والعسكرية خيارًا عقلانيًا تمليه اعتبارات المصلحة الوطنية، لا تعبيرًا عن التبعية أو التفريط بالسيادة. فجميع دول العالم، كبيرها وصغيرها، تبني شراكات وتحالفات وفق ما تقتضيه مصالحها، والسياسة في جوهرها ليست سوى إدارة للمصالح، لا إدارة للشعارات.
غير أن اللافت في الخطاب الموجَّه ضد الأردن هو ازدواجية المعايير. فالأصابع التي تُوجَّه إليه بالاتهام هي ذاتها التي تصمت، أو تبرر، أو تمتدح علاقات وتحالفات مماثلة لدول أخرى في المنطقة، وفي مقدمتها قطر وتركيا، اللتان تستضيفان قواعد وقوات أجنبية، وترتبطان بعلاقات دفاعية واستراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. فلماذا يصبح ما هو مشروع عند الآخرين مدعاةً للاتهام عندما يتعلق بالأردن؟
إن الاعتراض هنا لا يبدو قائمًا على مبدأ ثابت، بل على هوية الدولة المستهدفة بالنقد. ولو كان المعيار واحدًا لانسحب الحكم على الجميع دون استثناء، أما أن تُكال المواقف بمكيالين، فذلك يفرغ الخطاب من مصداقيته ويجعله أقرب إلى الخصومة السياسية منه إلى النقاش الموضوعي. وهنا يحضر المثل الشعبي البليغ: "مبغوضة وجابت بنت"؛ فليست المشكلة في الفعل ذاته، بل فيمن قام به.
لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تُهمل أمنها أو تتردد في بناء منظومة ردع وتحالفات تحمي مصالحها، تكون أول من يدفع ثمن الفوضى. أما الدول التي تُحسن قراءة الجغرافيا، وتتعامل بواقعية مع التحديات المحيطة بها، فهي الأقدر على صون استقرارها واستقلال قرارها.
إن الحكم على سياسات الدول يجب أن يكون من خلال قدرتها على حماية أوطانها وتحقيق مصالح شعوبها، لا من خلال الانطباعات المسبقة أو الحسابات الأيديولوجية. والأردن، بحكم موقعه وإمكاناته وتعقيدات محيطه، ليس مطالبًا بتقديم أوراق حسن سلوك لأحد، بل مطالب أولًا وأخيرًا بأن يبقى وطنًا آمنًا مستقرًا، لأن أمن الدولة ليس شعارًا يُرفع، وإنما مسؤولية لا تحتمل المجازفة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير