جفرا نيوز -
في قراءة تشريعية معمقة وجريئة تلامس أبعاد الأمن القيمي والاجتماعي، يسلط الباحث القانوني والمحامي الأردني محمد ياسر العطار، الضوء على ظاهرة التسول الإلكتروني المقنع عبر منصات التواصل الاجتماعي . ويكشف العطار في مقالته عن فجوة قانونية وإجرائية دقيقة تتعلق بـالمكان المادي في النصوص الكلاسيكية ، مقدماً رؤية إصلاحية مبتكرة تجمع بين الرقابة المالية الضريبية ومأسسة الفضاء الرقمي وسد الفراغ التشريعي لحماية كرامة المجتمع الأردني وصيانة هويته الجامعة . ( وتالياً نص المقال الكامل ) :
اسـتـجـداء خـلـف الـشـاشـات.. الـتـسـول الإلـكـتـرونـي الـمـقـنـع والـمـعـالـجـة الـقـانـونـيـة الـمـطـلـوبـة لـحـمـايـة كـرامـة الـمـجـتـمـع ...
بـقـلـم الـمـحـامـي : مـحـمـد يـاسـر الـعـطـار ،،،
تأسست الشخصية الأردنية عبر محطاتها التاريخية على ركائز صلبة من العفة والأنفة ، والوقار، والاعتزاز المنيع بالكرامة الإنسانية ، وهي قيم أصيلة شكلت على الدوام الهوية الجامعة والدرع الواقي لتماسك المجتمع البنيوي . إلا أن الطفرة التكنولوجية المتسارعة ، وحمّى الربح السريع التي تتيحها بعض منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً فضاءات البث المباشر والتحديات الرقمية ، قد أفرزت ظاهرة سلوكية هجينة ومستهجنة ، تتنافى كلياً مع نسيجنا الوطني وقيمنا الموروثة . وتتمثل هذه الظاهرة في قيام ثلة ممن ينصّبون أنفسهم كـ (صنّاع محتوى) باستجداء المشاهدات ، واستدرار الدعم المالي ، وقنص الجوائز الافتراضية ، عبر أساليب تنحدر إلى مستويات هابطة من المهانة ، والابتذال ، والتعري القيمي والأخلاقي ، والتضحية الطوعية بالوقار . إن هذا المشهد اليومي القاتم لم يعد مجرد ترفيه رقمي عابر، بل هوتسول إلكتروني مقنّع ، متكامل الأركان ، يستدعي وقفة فقهية جادة ومعالجة تشريعية حازمة لحماية كرامة المجتمع الأردني وأجياله القادمة .
المحور الأول : التكييف الفلسفي والاجتماعي للاستجداء الرقمي . من الناحية الفلسفية والاجتماعية ، فإن السلوك الذي ينتهجه هؤلاء عبر المكوث خلف الشاشات لساعات طوال وممارسة أفعال مهينة ومحطة بالكرامة الذاتية ، أو افتعال مشاجرات وهمية وسجالات
كلامية بذيئة بهدف استعطاف المتابعين ودفعهم لإرسال الدعم المالي ، لا يختلف في جوهره المقيت عن (التسول التقليدي في الأزقة والشوارع) . بل إن النسخة الرقمية منه تعد أشد خطورة وضراوة ، لكونها تعتمد على الاستعراض الجماهيري العابر للحدود ، وتقدم نموذجاً مشوهاً ومغرياً للجيل الناشئ ، مروجة لثقافة مفادها أن التفاهة والتخلي عن الحياء هما الطريق الأقصر للثراء السريع والتكسب المالي ، وسلب أموال الناس بالباطل الرقمي . وهو سلوك يُفترض أن يُجابه بعقوبات رادعة كونه يمس بكرامة الإنسان ، ويخدش المظهر الحضاري للمملكة . ومن باب الإنصاف والموضوعية ، فإن هذا التوصيف القانوني والنقدي لا ينسحب إطلاقاً على صناع المحتوى الإيجابي ، والمنصات التوعوية والإبداعية المتميزة التي تقدم قيمة فنية ، أو معرفية ، أو ترفيهية راقية فحرية الإبداع والابتكار الرقمي مكفولة ومحل احترام وتقدير . وإنما ينصبّ الحديث والتحذير حصراً على من اتخذ من التذلل المبتذل وسيلة ممنهجة للكسب والاستجداء دون أي مضمون ذي قيمة .
المحور الثاني : فجوة (المكان المادي) ومظاهر القصور بالمنظور القانوني والجزائي . إن التشريع الأردني كان سباقاً وحازماً في محاربة الكسب غير المشروع وتشوية السلم القيمي حيث جرّم قانون العقوبات الأردني التماس الصدقة أو الاستجداء . وتكمن الاشكاليه القانونيه فيما يتعلق بالفضاء الواقعي : وهنا يثور التساؤل الفقهي والقانوني إذا كان المشرع يجرم ويرفض التسول في الطرقات العامة ، فلماذا يُترك ذات السلوك ليُمارس بحرية تامة وبمردود مالي أضخم في الفضاء الافتراضي ، ومع أن تشريعات الجرائم الإلكترونية الأردنية الحديثة تحظر نشر أو ترويج كل ما يمس بالآداب العامة ، إلا أن عمليات الاستجداء الرقمي القائمة على الابتذال اللفظي والحركي تقع حالياً في منطقة رمادية ، حيث ان قانون العقوبات حصر نطاق الجريمة في (الأماكن العامة المادية) ، وهو وصف ضيق لا يسعف النيابة العامة والقضاء بدقة للتعامل مع شخص يستجدي ويجمع الدعم وهو يجلس خلف شاشته في بيته المغلق ، مما يفرز فجوة إجرائية واضحة تدفع جهات إنفاذ القانون نحو محاولات مجهدة للتكييف دون نص جامع مانع ورادع .
المحور الثالث : الرؤية الإصلاحية والمعالجة التشريعية والمالية المطلوبة . انطلاقاً من واجب النقد الإيجابي البنّاء ، أرى أنه بات من الضروري تقديم استراتيجية عملية متكاملة تدعم جهود الدولة وأجهزتها الأمنية والقضائية ، وتخفف عنها عبء الملاحقات الفردية المنهكة ، وتتلخص هذه الرؤية في محورين :الرقابة المالية المشددة والمحاسبة الضريبية : إن الوقود والمحرك الأساسي لاستمرار هذا الابتذال والاستجداء هو المال السريع المتدفق عبر عوائد البث المباشر . لذلك ، نوصي بضرورة قيام البنك المركزي الأردني ودائرة ضريبة الدخل والمبيعات ، بالتنسيق مع هيئة الإعلام ، بفرض رقابة صارمة وصياغة تعليمات تنظيمية مغلظة تلاحق المحافظ الإلكترونية والتحويلات المالية الخارجية المتأتية لهؤلاء الأشخاص من منصات البث ، وإخضاع هذه الدخول لرقابة مالية وقانونية تجفف منابع الكسب غير المشروع . مأسسة وتنظيم الفضاء الرقمي : إن استمرار هذه الفوضى يفرض على المشرع الأردني الاستعجال بإصدار نظام خاص لتنظيم ومراقبة البث المباشر وصناعة المحتوى الرقمي يتضمن تعديلاً صريحاً على قانون العقوبات يوسّع مفهوم التسول ليشمل (التسول الإلكتروني بجميع صوره المباشرة والمقنعة)، وفرض عقوبات مشددة تصل إلى مصادرة الأموال والمنقولات المتأتية من هذا السلوك ، بناء شراكات قانونية ملزمة مع الشركات التقنية الدولية لفرض الامتثال الضريبي والرقابي على الحسابات داخل الأردن. رسالة وتوصيات ختامية : إن كرامة المجتمع الأردني وصورته ورصانته التاريخية هي أصول وطنية ثابتة لا يجوز تركها نهباً للفوضى الرقمية والاستجداء خلف الشاشات . ومواجهة التسول الإلكتروني المقنع لم يعد ترفاً فكرياً ، بل هو ضرورة أمنية واجتماعية ملحة تتطلب جرأة في الصياغة التشريعية وحزماً في التطبيق القضائي . ولأجل ذلك ، نوصي مجلس الأمة بضرورة المسارعة لسد هذا الفراغ القانوني ، بالتوازي مع إطلاق حملات توعية وطنية تقودها المؤسسات الإعلامية والدينية لحث المواطنين على التوقف عن دعم هذه البثوث الهابطة ، ليبقى الفضاء الرقمي الأردني فضاءً نقياً يعكس أصالة المجتمع وعلمه لا ساحة للاستجداء والعبث بالقانون . خاتمة مؤكدة : إن سد الثغرات القانونية لضبط هذا الفضاء الافتراضي لا يبتغي تقييد الحريات، بل يهدف بالدرجة الأولى لحماية عماد المجتمع وصيانة هويته من الابتذال . وإنني إذ أضع هذه القراءة والتوصيات أمام الجهات المعنية وأصحاب القرار، فإنني أنطلق من مسؤولية وطنية راسخة تبتغي رفعة الأردن وصون منجزاته وحماية قيمنا الموروثة . فالنقد الإيجابي البناء كان وسيظل دائماً رافعة للبناء والتمكين ، يخدم الوطن وأبناءه ، ويضمن مواكبة التطور التقني بأمان تشريعي يحمي الأسرة والأجيال القادمة .