اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الغبين يكتب : "الاحتشام" .. هوية مجتمع لا مجرد مظهر

الأربعاء-2026-07-22 02:46 pm
جفرا نيوز -
بقلم: أصيل الغبين

لا تُقاس هوية المجتمعات بما تمتلكه من مظاهر الحداثة فقط، بل بما تحافظ عليه من قيم راسخة شكّلت شخصيتها عبر الزمن ،فالتطور الحقيقي لا يعني التخلي عن الموروث الديني والثقافي، ولا يستلزم استبدال الخصوصية الاجتماعية بأنماط سلوكية مستوردة لا تنسجم مع طبيعة المجتمع وقيمه.

وفي السنوات الأخيرة، باتت مظاهر اللباس غير المحتشم أكثر حضورًا في بعض الأماكن العامة والمجمعات التجارية، في مشهد يثير تساؤلات حول حدود الحرية الشخصية عندما تتقاطع مع الذوق العام والهوية الثقافية.

فالمجتمع الأردني، كغيره من المجتمعات العربية المحافظة، بُني على منظومة من العادات والتقاليد المستندة إلى القيم الإسلامية، وهي منظومة لم تكن يومًا عائقًا أمام التطور، بل كانت جزءًا من توازنه واستقراره.

إن اللباس ليس مجرد اختيار فردي معزول عن محيطه، بل هو أحد المظاهر التي تعكس هوية المجتمع وثقافته.

وعندما تصبح بعض أنماط اللباس الغريبة عن بيئتنا تُقدَّم على أنها عنوان للتقدم أو مواكبة للعصر، فإن ذلك يطرح سؤالًا مشروعًا: هل التطور يعني التخلي عن كل ما يميزنا؟

التطور لا يُقاس بتغيير المظهر أو تقليد ما تنتجه مجتمعات أخرى تختلف عنا في ثقافتها وقيمها، بل يُقاس بالعلم، والإنتاج، واحترام القانون، والارتقاء بالسلوك العام ،أما ربط الملابس غير المحتشمة بمفهوم الحداثة، فهو اختزال لمعنى التطور، وإغفال لحقيقة أن لكل مجتمع خصوصيته التي ينبغي احترامها.

ولا يتعلق الأمر بفرض الوصاية على خيارات الأفراد داخل حياتهم الخاصة، وإنما بالحفاظ على المساحات العامة التي يرتادها الجميع، والتي يفترض أن تعكس هوية المجتمع وقيمه المشتركة.

فالحرية الشخصية حق ، لكنها لا تنفصل عن المسؤولية الاجتماعية، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لفرض أنماط ثقافية لا تمثل غالبية المجتمع.

إن الحفاظ على الموروث الديني والثقافي لا يعني الانغلاق أو رفض العصر، بل يعني التمسك بالثوابت مع الانفتاح الواعي على كل ما يخدم المجتمع ويطوره ،فالأمم التي فقدت هويتها لم تخسر لباسًا فحسب، بل خسرت جزءًا من شخصيتها وتماسكها.

ومن هنا، تبرز أهمية دور الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلام في ترسيخ مفهوم الاعتزاز بالهوية، وتعزيز قيمة الاحتشام بوصفه جزءًا من الثقافة المجتمعية، بعيدًا عن لغة التشدد أو الإقصاء ،كما أن احترام قيم المجتمع يبقى مسؤولية مشتركة بين المواطنين والزوار على حد سواء، بما يحقق التوازن بين الحرية الفردية واحترام الخصوصية الثقافية.

إن الدفاع عن الهوية لا يكون برفض التطور، وإنما برفض أن يُستخدم التطور ذريعة لطمس ما رسخ في وجدان المجتمع عبر عقود طويلة ،فالأردن يمتلك إرثًا دينيًا وثقافيًا واجتماعيًا يستحق أن يُصان، لأن قوة المجتمعات لا تكمن في تقليد الآخرين، بل في قدرتها على التقدم دون أن تفقد ملامحها الأصيلة.

فالحفاظ على الهوية ليس موقفًا ضد الحداثة، بل هو شرطٌ أساسي لأن تكون الحداثة امتدادًا لقيم المجتمع، لا قطيعةً معها.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير