اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

ماذا يحدث لمن يفكر كثيرًا؟

الأحد-2026-07-12 12:25 pm
جفرا نيوز -
ماذا يحدث لمن يفكر كثيرًا؟
يُنفى من عقله.
ولكن إلى أي مكان؟
يُنفى لمكان اسمه الدائرة، وهي أسّ اللاعودة الأبدية؛
حيث تختنق الأفكار، وحيث تنغمس في سؤالٍ عن سؤال.

هناك، في تلك الدائرة، لا يمشي الفكر في خطٍ مستقيم، بل يدور ككوكبٍ تائه حول مركزٍ لا يُرى. الفكرة تلد فكرة، والسؤال يلد سؤالًا، حتى يصبح العقل ساحةً لا تهدأ فيها المعارك الصامتة.
وقد عبّر Fyodor Dostoevsky عن هذه الحالة حين قال:
"الإفراط في الوعي مرض.”
فكلما ازداد الإنسان وعيًا بما حوله، ازداد إحساسه بثقل الأسئلة التي لا إجابة لها.

إن من يفكر كثيرًا لا يعاني من نقصٍ في الأفكار، بل من فيضها.
فالعقل يتحول إلى مرآةٍ تعكس كل شيء؛ الخير والشر، الأمل واليأس، الممكن والمستحيل. وفي هذا الصراع الداخلي يصبح الإنسان كمن يقف بين طريقين لا نهاية لهما.
ولهذا كتب Leo Tolstoy:
"إذا أردت أن تكون سعيدًا فكن.”
وكأن السعادة في نظره ليست نتيجة التفكير الطويل، بل نتيجة القدرة على التوقف عن التفكير حين يصبح عبئًا.

أما الفيلسوف الروسي Ivan Turgenev فقد رأى أن الإنسان الذي يغرق في التحليل قد يفقد بساطة الحياة نفسها؛ فالعقل حين يفتش في كل شيء قد يمزق المعنى بدل أن يجده.

وفي الفكر الإنجليزي، نجد أن Bertrand Russell قال:
"مشكلة العالم أن الأغبياء واثقون من أنفسهم، والأذكياء مليئون بالشك.”
وهنا تظهر الدائرة بوضوح: فكلما ازداد الإنسان ذكاءً، ازداد شكّه، وكلما ازداد شكّه، عاد يسأل من جديد.

أما William Shakespeare فقد لخص مأساة التفكير في عبارة خالدة:
"التفكير يجعلنا جميعًا جبناء.”
ليس لأن التفكير ضعف، بل لأن كثرة الاحتمالات التي يفتحها تجعل الإنسان يرى المخاطر في كل خطوة.

وهكذا يصبح المنفيّ في تلك الدائرة كمن يحمل مصباحًا في نفقٍ طويل؛ كلما أضاء جزءًا من الطريق، ظهرت أمامه ظلالٌ جديدة.
إنه لا يتوقف عن البحث، ولا يستطيع العودة إلى بساطة الجهل الأولى.

ومع ذلك، فإن هذا النفي ليس عقوبةً دائمًا؛
فكثير من أعظم الكتب، وأعمق الفلسفات، وُلدت داخل هذه الدائرة نفسها.
فالعقل الذي يعاني من الأسئلة هو ذاته العقل الذي يصنع المعنى.

لذلك فالمفكر الحقيقي لا يخرج من الدائرة…
بل يتعلم كيف يعيش داخلها دون أن يختنق

بقلم هنادي خضر
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير