جفرا نيوز -
حذر الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة، عامر الشوبكي، من أن تداعيات التوترات في مضيق هرمز تتجاوز بكثير مسألة ارتفاع أسعار النفط، مؤكداً أن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار حالة عدم اليقين التي تربك الأسواق العالمية وتضعف قدرة المستثمرين والحكومات على اتخاذ قرارات اقتصادية واضحة.
وقال الشوبكي إن الاقتصاد العالمي يستطيع التعامل، ولو بصعوبة، مع أزمة واضحة المعالم، لكنه يواجه تحدياً أكبر عندما تبقى احتمالات عودة التصعيد العسكري قائمة في أي لحظة، في ظل غياب ضمانات دائمة لحرية الملاحة وأمن حركة التجارة والطاقة عبر مضيق هرمز.
وأوضح أن أهمية المضيق لا تقتصر على مرور نحو خمس إمدادات الطاقة العالمية، بل تمتد إلى تأثيره المباشر على معدلات التضخم، وسياسات البنوك المركزية، وأسعار الشحن والتأمين، وثقة المستثمرين، إضافة إلى انعكاساته على ميزانيات الدول وأسعار الغذاء والصناعة والتكنولوجيا.
وأشار إلى أن منطقة الخليج تمثل محوراً رئيسياً في سلاسل الإمداد العالمية، إذ تعد من أكبر مراكز إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات، إلى جانب الأسمدة والأمونيا واليوريا والكبريت والألمنيوم والهيليوم، وهي مواد تدخل في صناعات حيوية تشمل السيارات، والأجهزة الطبية، والرقائق الإلكترونية، والطيران، ومواد البناء، والتغليف، والطاقة المتجددة.
وأكد الشوبكي أن أي اضطراب طويل الأمد في المضيق لا ينعكس فقط على أسعار النفط، وإنما يمتد أثره إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، حيث تنتقل الصدمة من الطاقة إلى الغذاء، ثم إلى الصناعة والتكنولوجيا، لتصبح كلفة عدم اليقين أعلى من كلفة الحرب نفسها.
وأضاف أن استمرار الضبابية يدفع المستثمرين إلى تأجيل قراراتهم، بينما ترفع شركات التأمين والشحن كلف عملياتها، وتتردد البنوك المركزية في خفض أسعار الفائدة، ما يحول الأزمة إلى عبء اقتصادي يومي تتحمله الأسواق العالمية.
ورأى أن الحسم السياسي المستدام يبقى الخيار الأقل كلفة للاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن الأسواق تفضل وضوح المشهد على استمرار منطقة رمادية تجمع بين هدنة هشة واحتمالات حرب مفتوحة.
ولفت إلى أن الغاز الطبيعي يمثل الحلقة الأكثر حساسية في الأزمة، لعدم وجود بدائل سريعة تعوض الإمدادات العابرة عبر هرمز، في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على الكهرباء مع التوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
وأشار الشوبكي إلى أن أزمة هرمز لم تعد مجرد قضية مرتبطة بالطاقة، بل أصبحت ملفاً يرتبط بالأمن القومي، والصناعة، والغذاء، والتكنولوجيا، والتنافس بين القوى الكبرى، مؤكداً أن الأزمة تتداخل مع ملفات دولية أخرى، مثل الصراع في أوكرانيا، والتنافس الأمريكي الصيني، والتوترات في شرق آسيا.
وأضاف أن الصين تنظر إلى أمن الطاقة باعتباره جزءاً من استراتيجيتها الجيوسياسية، بينما تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، الأمر الذي يجعل أزمة هرمز جزءاً من مشهد عالمي أوسع يعيد تشكيل موازين الاقتصاد والسياسة.
وفيما يتعلق بإيران، اعتبر الشوبكي أن التعامل مع الأزمة الإيرانية أكثر تعقيداً، نظراً لخبرة طهران الطويلة في مواجهة العقوبات وقدرتها على إدارة الضغوط الاقتصادية، ما يجعل الوصول إلى حسم سريع أمراً غير مرجح.
وأكد أن دول الخليج تعد الأكثر حساسية لاستمرار الغموض، نظراً لاعتمادها على مكانتها كمراكز عالمية للاستثمار والطيران والسياحة والموانئ والخدمات اللوجستية، موضحاً أن أي شكوك بشأن أمن المنطقة تؤثر مباشرة في ثقة المستثمرين وحركة التجارة.
وختم الشوبكي بالتأكيد على أن السيناريو الأخطر يتمثل في بقاء الأزمة دون حسم، بحيث لا يتحقق سلام مستدام ولا تنتهي الحرب، الأمر الذي يبقي الأسواق العالمية رهينة لحالة عدم اليقين، محذراً من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى انتقال الأزمة من قطاع الطاقة إلى الأوضاع المعيشية في العديد من الدول، مع ما يرافق ذلك من ضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية متزايدة.