اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

زلزال فنزويلا... بين واجب الإنسانية وأولوية الوطن..

الأحد-2026-06-28 12:35 pm
جفرا نيوز -
د. دانييلا القرعان 

لم يكن الزلزال الذي ضرب فنزويلا حدثاً عادياً، فقد خلّف ضحايا ومصابين ودماراً يستحق التعاطف الإنساني والدعاء للمتضررين، فالكوارث الطبيعية لا تميز بين شعب وآخر، والألم الإنساني لغة واحدة يفهمها الجميع.

من هذا المنطلق، قرأنا إعلان معالي وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي استعداد الأردن لتقديم المساعدة إلى الشعب والحكومة في فنزويلا، في موقف يعكس النهج الإنساني الذي عُرف به الأردن على امتداد العقود الماضية، وهو نهج يستحق الاحترام والتقدير.

لكن، في الوقت نفسه، فإن هذا الموقف يفتح باباً واسعاً للنقاش داخل الشارع الأردني، ليس لأن الأردنيين يرفضون مساعدة الآخرين، بل لأنهم يتساءلون، أين تقف حدود الواجب الإنساني عندما تكون التحديات الداخلية كبيرة؟ هل تستطيع دولة مثل الأردن تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة أن توازن بين رسالتها الإنسانية واحتياجات مواطنيها؟

هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُفسر على أنها اعتراض على التضامن مع الشعوب المنكوبة، وإنما هي انعكاس لواقع يعيشه المواطن الأردني يومياً؛ بطالة مرتفعة، فقر يزداد اتساعاً، ارتفاع في كلف المعيشة والطاقة، شح في المياه يتفاقم مع كل صيف، إلى جانب تحديات اقتصادية لا تخفى على أحد.

نعم، اعتاد الأردن أن يكون حاضراً في كل أزمة إنسانية تقريباً، ووقف إلى جانب الأشقاء في غزة والضفة الغربية، ساعد لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت، ساند تركيا بعد الزلزال المدمر، قدم دعماً للسودان، وغيرها من الشعوب المنكوبة، وهذه المواقف أصبحت جزءًا من هوية الدولة الأردنية ورسالتها الإنسانية.

إلا أن المواطن يتساءل اليوم، هل تمتد هذه الرسالة إلى أقصى بقاع الأرض مهما كانت المسافات، ومهما كانت طبيعة العلاقات السياسية، أم أن الأولوية ينبغي أن تكون لتخفيف معاناة الداخل أولًا؟

قد يذهب البعض إلى طرح سؤال آخر، لو انعكست الصورة، ووقع الأردن - لا قدر الله - في كارثة مماثلة، هل كانت فنزويلا ستتمكن من مساعدتنا أو تبادر إلى ذلك؟ ربما لا توجد إجابة قاطعة، لكن السؤال يعبر عن رغبة الناس في فهم فلسفة السياسة الإنسانية الأردنية أكثر من كونها دعوة إلى التعامل بمنطق المقايضة.

ومع ذلك، فإن أهم درس ينبغي أن يخرج به الأردن من زلزال فنزويلا لا يتعلق بالمساعدات الخارجية، بل بالاستعداد الداخلي، فالأردن يقع في منطقة نشطة زلزالياً، وقد شهد عبر تاريخه هزات متفاوتة القوة، لذا إن الكارثة البعيدة يجب أن تتحول إلى جرس إنذار قريب، يدفعنا إلى مراجعة جاهزية الأبنية، وخطط الإخلاء، وقدرات الدفاع المدني، واستعداد المستشفيات، ووعي المواطن بكيفية التصرف أثناء الزلازل.

فربما تكون أفضل مساعدة يقدمها الأردن لنفسه اليوم هي أن يتعلم من تجارب الآخرين قبل أن يفرض عليه الواقع خوض التجربة بنفسه.

إن الإنسانية لا تتعارض مع الوطنية، لكن النجاح الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بينهما، فالأردني بطبيعته لا يبخل على الملهوف، لكنه أيضاً ينتظر أن يشعر بأن همومه اليومية تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام والرعاية.

إن الحكومة مطالبة اليوم ليس فقط بإعلان الاستعداد لمساعدة الآخرين، بل أيضاً بشرح طبيعة هذه المساعدات وحجمها وأثرها، حتى يدرك المواطن أن التضامن الإنساني لا يأتي على حساب احتياجاته الأساسية، وأن الأردن قادر على أن يبقى وفياً لرسالته الإنسانية، دون أن يغفل أولويات وطنه ومواطنيه.

في النهاية، لا يختلف اثنان على أن نجدة المنكوب فضيلة، لكن بناء وطن أكثر قدرة على مواجهة الأزمات هو أيضاً واجب لا يقل إنسانية ولا أهمية. نغم، نأسف على ضحاياهم وخسائرهم ونتمنى لهم الخير لكن، وطننا أحق أن نهتم بتفاصيله، هل وصلت الرسالةّ؟
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير