اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

العدوان يكتب "هيومن رايتس ووتش بين أحكام عمّان وركام غزة"

الأربعاء-2026-06-24 12:31 pm
جفرا نيوز -
د. هاني العدوان

طالعتنا منظمة هيومن رايتس ووتش ببيان صادم عقب تنفيذ الأردن أحكام الإعدام بحق عدد من المدانين في قضايا أمنية وجنائية وجرمية بالغة الخطورة، بعد مسار قضائي طويل استوفى درجات التقاضي كاملة، دعت فيه إلى إعادة تجميد العقوبة وإنهاء محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.

بيان كهذا لا يمكن عزله عن السياق الأوسع الذي يتحرك فيه الخطاب الحقوقي الدولي، ولا عن طبيعة الموازين التي تحكم حضوره وغيابه، واندفاعه وفتوره، وتشديده وتراخيه حيال القضايا الإنسانية الكبرى

فالأردن لم ينفذ إجراءات استثنائية خارج القانون، ولم يصدر أحكاماً ارتجالية تحت ضغط اللحظة، وإنما نفذ أحكاماً قضائية قطعية صدرت بعد سنوات من المحاكمات والمراجعات القضائية واستنفاد مختلف الضمانات القانونية

والحديث هنا لا يدور حول مخالفات محدودة الأثر، وإنما حول جرائم رأت الدولة أنها تمس أمن المجتمع واستقراره وسلامة مواطنيه

غير أن القضية التي تستحق الوقوف عندها لا تتعلق بالأردن وحده، وإنما بالميزان الذي تُقاس به القضايا الإنسانية في الخطاب الحقوقي الدولي

فعلى امتداد عقود طويلة عاش الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال، وشهدت أرضه فصولاً متلاحقة من القتل والاعتقال وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والحصار والاقتلاع والنزوح، ثم جاءت الحرب على غزة لتدفع المأساة الإنسانية إلى مستوى غير مسبوق من التدمير والمعاناة

مدن كاملة تعرضت لدمار واسع، وأحياء سكنية تحولت إلى أنقاض، وعائلات فُقدت بكاملها، وأطفال انتُشلوا من تحت الركام، ونساء فقدن أبناءهن وأزواجهن، وشيوخ أنهكتهم الحرب والنزوح والجوع

ملايين البشر وجدوا أنفسهم أمام نقص في الغذاء والماء والدواء والمأوى والخدمات الأساسية، فيما ظلت صور المعاناة حاضرة أمام العالم لحظة بلحظة

وفي الوقت ذاته ظل ملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين واحداً من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، بما يحمله من أبعاد إنسانية وقانونية وسياسية، كما أثارت مشاريع وتشريعات تتعلق بعقوبة الإعدام بحق فلسطينيين ردود فعل قانونية وأخلاقية واسعة في أنحاء مختلفة من العالم، غير أن المتابع لا يجد في مواقف بعض المنظمات الدولية القدر ذاته من الحضور والضغط والتشدد الذي تبديه حيال قضايا أخرى، على الرغم من خطورة هذه الملفات واتساع آثارها الإنسانية

ولعل هذا التفاوت هو ما عزز لدى قطاعات واسعة من الرأي العام شعوراً بأن معايير الاهتمام الحقوقي لا تُطبق دائماً بالدرجة نفسها، وأن بعض المآسي لا تحظى بالمكانة التي تفرضها فداحة الوقائع وحجم المعاناة الإنسانية المرتبطة بها

وأمام هذا السجل الطويل من الألم الإنساني، وأمام هذا الحضور الكثيف للمأساة الفلسطينية في الوعي العالمي، تتعزز قناعة لدى كثيرين بأن حجم التفاعل الحقوقي لا يبدو دائماً متناسباً مع حجم الكارثة ذاتها، فثمة قضايا تستدعي بيانات عاجلة ومواقف متلاحقة وضغوطاً متواصلة، فيما تبدو قضايا أخرى أشد فداحة وأوسع أثراً أقل حضوراً في دوائر التأثير والفعل

وهنا يكمن جوهر المسألة، فالعدالة لا تستمد قوتها من انتقائية التطبيق، وإنما من ثبات المعيار، وحقوق الإنسان لا تكتسب مشروعيتها من قوة الشعارات، وإنما من قدرتها على حماية الإنسان أياً كان موقعه وهويته وجنسيته، والدم الإنساني لا تتبدل قيمته بتبدل الجغرافيا أو اختلاف الأطراف

كما أن الحديث عن الحقوق لا يكتمل بالنظر إلى الجاني وحده، بل يشمل الضحية أيضاً، فالإرهاب لا يترك وراءه أرقاماً جامدة في سجلات المحاكم، وإنما يخلّف أسراً مكلومة وجروحاً مجتمعية عميقة

وتجارة المخدرات لا تقف آثارها عند حدود الجريمة القانونية، بل تمتد إلى العقول والأسر ومستقبل الأجيال

ومن حق المجتمعات أن تبحث عن الأمن والاستقرار كما من حق الأفراد أن يتمتعوا بالضمانات القانونية والحقوق الأساسية

إن القيمة الحقيقية لأي خطاب حقوقي تكمن في قدرته على المحافظة على معيار واحد عند النظر إلى مختلف القضايا، وفي قدرته على منح الإنسان القيمة ذاتها في كل مكان، بعيداً عن اعتبارات السياسة وموازين القوة واختلاف المواقع

وحين يتحقق ذلك، تصبح العدالة أكثر إقناعاً، وتصبح حقوق الإنسان رسالة عالمية جامعة لا يختلف الناس حول نزاهة معاييرها أو صدق مقاصدها

أما بيان هيومن رايتس ووتش الأخير، فليس ما يلفت الانتباه فيه موقفه من عقوبة الإعدام بحد ذاته، وإنما ما يكشفه من خلل أعمق في ترتيب الأولويات وفي ميزان الاهتمام
فحين يتحول تنفيذ حكم قضائي استوفى درجات التقاضي كافة إلى مناسبة لاستنفار البيانات والمواقف، بينما تبقى المآسي الإنسانية الممتدة على أرض فلسطين أقل حضوراً في مستوى الضغط والتأثير والفعل، فإن القضية تغادر حدود النقاش القانوني إلى فضاء أوسع يتعلق بصدقية المعيار نفسه

فالمنظمات الحقوقية لا تُقاس بعدد بياناتها، وإنما بقدرتها على الوقوف بالمسافة ذاتها من جميع الضحايا، وبمقدار ما تمنحه للدم الإنساني من قيمة واحدة لا تتبدل بتبدل الجغرافيا ولا تختلف باختلاف الأطراف

أما حين يبدو الحزن عظيماً في موضع، وخافتاً في موضع آخر، فإن الثقة تبدأ بالتآكل، وتفقد الشعارات شيئاً من بريقها، وتصبح الحاجة إلى مراجعة الذات أكثر إلحاحاً من الحاجة إلى إصدار البيانات

ولعل هيومن رايتس ووتش وهي تكتب بيانها عن أحكام عمّان، كانت أحوج ما تكون إلى أن تنظر في الاتجاه الآخر أيضاً، نحو ركام غزة، ونحو آلاف الضحايا الذين ما زالت صورهم معلقة في ذاكرة العالم، ونحو شعب ما زال ينتظر من الضمير الإنساني موقفاً يرقى إلى حجم مأساته

فغزة اليوم ليست خبراً في نشرات الأخبار، ولا رقماً يضاف إلى أرشيف الإحصاءات الدولية، وإنما جرح مفتوح في ضمير الإنسانية، واختبار أخلاقي لكل من يرفع راية العدالة وحقوق الإنسان، ومن هنا فإن أي خطاب حقوقي يفقد قدرته على الإنصاف حين يضطرب ميزانه بين ضحية وأخرى، وحين تختلف درجة حساسيته باختلاف الجغرافيا أو هوية الضحايا أو طبيعة الصراع

فحقوق الإنسان لا تكتمل بالدفاع عن حق الحياة في قاعة محكمة، ثم تضعف أمام حق الحياة تحت الأنقاض، والعدالة لا تستقيم حين تشتد حساسيتها تجاه بعض الدماء، ثم تخف وطأتها أمام دماء أخرى

وما لم يبق المعيار واحداً، فإن الأزمة لن تكون في أحكام الدول ولا في قرارات المحاكم، بل في مصداقية الخطاب الحقوقي ذاته

منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)

منظمة العفو الدولية (Amnesty International)
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير