جفرا نيوز -
المحامي الدكتور بشار صبر الرواشده
يقال في المثل الشعبي: «رمدُ العين ولا العمى»، تعبيراً على شح الخيارات المتاحة و التناسب فيما بينها من حيث النتائج والأثر. وانطلاقا من ذلك، يبدو أن فئةً واسعةً من أفراد المجتمع الأردني قد انحصرت بين خيارين أحلاهما مُرّ: إما الصمت والتعايش مع الظروف المعيشية الصعبة، جراء السياسات الاقتصادية التي تُملى على الحكومات كنتيجة للضغوط التي تُمارس على الأردن من خلال الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية، أو التأييد بالموقف والكلمة لحزب الأمة، بعد أن برز كطوق النجاة أو قشة الغريق.
وفي هذا السياق، يبدو أن هناك بوادر صحوةٍ شعبيةٍ يُرجَّح أنها تميل إلى الالتفاف حول حزب الأمة، في إطار دعمه للضغط نحو إلزام الحكومات بالتحرر من الهيمنة الخارجية، ورفضه تنفيذ السيناريوهات الواجب السير وفقها، التي لا يمكن التنبؤ بتبعاتها على المدى الطويل. ويُعزى هذا الميل إلى جملة من الأسباب، في مقدمتها غياب المعارضة التي ما انفكت تُخيِّب آمال أنصارها، والتي يُؤخذ عليها أنها تُستخدم من البعض بوصفها «حصان طروادة». وأيضًا فشل الأحزاب الأخرى التي زُعم بأنها ساحة للاستعراض السياسي، والتي سرعان ما بان القصور في برامجها ورؤاها. علاوة على ذلك، أسهم تصاعد الانقسامات والخلافات الداخلية وتزايد هيمنة رأس المال في تعزيز حالة الرفض الشعبي للأحزاب الاخرى.
وعلى صعيدٍ آخر، رغم أن حزب الأمة يتبنى رسالةً، في مجملها، تقوم على الحرص على تطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ومحاربة الفساد وصون الحريات العامة، ويسعى إلى تقديم نفسه بوصفه التيار الوحيد الذي يولي اهتمامًا بالطبقات الاجتماعية المتضررة من البرامج والسياسات الاقتصادية، ودون أن يغير ذلك من حقيقة التحول نحو العمل السياسي وما رافقها من إرهاصات؛ بيد أن البعض قد يجهل ما يواريه حزب الأمة من مشاريع وأهداف تثير التساؤلات، أبرزها مشروع «التمكين السياسي». أيضًا، يرى منتقدوه أنه لا يحمل رسالة دعوية أو يبحث في علوم الإسلام، وإنما هو حزب أثبتت الأحداث أن مبدأه الإسلام وليس عمله الإسلام، ويتطلع للسيطرة على مواقع التأثير على القرار، في مقدمتها مجلس النواب والنقابات واتحادات الطلبة. وقد لا يكون ظاهرًا للرأي العام ما يدور داخل الحزب من صراعات تنظيمية وأزمات أيديولوجية وانقسامات؛ إلا أن هذه الإشكالات لم تُقلل من بوادر الصحوة الشعبية، سيما وأن حزب الأمة استطاع أن يظهر من خلال أعضائه في مجلس النواب بالصورة التي تلقى صدى لدى الرأي العام، والتي يتلهف لها كل فرد وطني حر منتمٍ لهذا الوطن، سواء على صعيد المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والخدمات العامة ودعم الطبقات الفقيرة، أو على صعيد معارضته لكل ما قد ينتقص من سيادة الوطن أو يُقيِّد مواقفه تجاه دول الإقليم والكيان.
وفي سياقٍ متصل، قد لا يكون تأييد شريحة كبيرة من أفراد المجتمع لحزب الأمة ذو طابع تنظيمي مؤطر يندرج ضمن قوائم الهيئة العامة، أو التزامًا باتباع ايديولوجيته؛ لكن، بالتأكيد، هناك دعم معنوي متفاوت: خجول في بعض السياقات، وصريح في أخرى، لا سيما في الاستحقاق الانتخابي. وما يجدر الإشارة إليه، أن هذا التأييد لا ينطلق من شعار ديني، وإنما من أملٍ في أن حزب الأمة قد يُسهم في تعزيز مبادئ الديمقراطية والحرية والعدالة بشكل فعلي. وكذلك هناك دافع آخر، وهو تعمق نهج الفساد المالي والإداري مع غياب الجدية في محاربته.
وفي المحصلة، فإن أزمة الثقة التي تعصف بالحياة الحزبية من جانب، وتتعمق بين الشارع والحكومة من جانبٍ آخر، أعانت حزب الأمة على تعزيز حضوره، وسهَّلت عملية استقطاب الرأي العام. فكلما تعمقت هذه الحالة، تزايد جنوح الصحوة الشعبية نحوه، باعتباره الأقدر على التعبير عن هموم الأردنيين، بعيدًا عن الخلاف حول مشروعه السياسي و ايديولوجيته.