جفرا نيوز -
م. سعيد بهاء المصري
كيف يتشكّل العالم الجديد بينما لا يزال العرب يختلفون على خرائط الأمس؟ .
الحلقة الثانية
في هذا السياق، بدأت حتى الدول الغربية الحليفة لواشنطن تبحث عن هامش استقلال استراتيجي. أوروبا، التي اعتمدت لعقود على المظلة الأمنية الأميركية عبر حلف الناتو، اكتشفت بعد حرب أوكرانيا أنها لا تملك الاكتفاء العسكري أو الطاقوي أو التكنولوجي الذي يسمح لها بالتحرك منفردة. ولذلك بدأ الحديث الأوروبي يتصاعد حول «السيادة الاستراتيجية» والحاجة إلى تعزيز الصناعات الدفاعية المحلية، وتقليل الاعتماد على الطاقة الروسية والتكنولوجيا الأميركية في آن واحد.
أما كندا وأستراليا، فرغم بقائهما ضمن المعسكر الغربي، إلا أنهما تعيشان معضلة التوازن بين التحالف الأمني مع الولايات المتحدة وبين مصالحهما الاقتصادية العميقة مع آسيا، وخاصة الصين. وهذا يعكس تحولاً عالمياً أوسع، حيث لم يعد الانقسام الدولي قائماً فقط بين شرق وغرب، بل بين نماذج متعددة من المصالح المتشابكة.
وفي قلب هذه التحولات، يبرز الشرق الأوسط بوصفه أحد أهم العقد الجيوسياسية في العالم الجديد. فالمنطقة لم تعد مجرد مصدر للطاقة التقليدية، بل أصبحت محوراً للممرات الاقتصادية، والكابلات البحرية، والربط القاري، والطاقة المتجددة، ومراكز البيانات، وسلاسل التجارة العابرة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. ولهذا تتزايد مشاريع الربط الجديدة، من الممرات البرية إلى شبكات الطاقة والهيدروجين الأخضر والاقتصاد الرقمي.
وهنا يبرز السؤال العربي الكبير: أين يقف العرب من هذا التحول التاريخي؟ المشكلة الأساسية ليست في نقص الموارد أو الموقع الجغرافي أو الأسواق، بل في غياب الرؤية الإقليمية المشتركة. فبينما تتجه أغلب مناطق العالم نحو بناء أقاليم اقتصادية مترابطة، لا تزال أجزاء واسعة من العالم العربي أسيرة الانقسامات السياسية والهوياتية والصراعات البينية.
بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية تملك، إذا ما نُظر إليها كوحدة اقتصادية مترابطة، عناصر قوة هائلة: الطاقة، ورأس المال، والموقع الجغرافي، والموانئ، والعمق السكاني، والأسواق، والقدرة على الربط بين القارات. لكن هذه الإمكانات لا يمكن أن تتحول إلى قوة فعلية دون الانتقال من عقلية الدولة المنفردة إلى عقلية الإقليم المتكامل.
الأمر نفسه ينطبق على مصر وشمال إفريقيا العربية. فمصر ليست فقط دولة تمر عبرها قناة السويس، بل يمكن أن تتحول إلى عقدة صناعية - لوجستية - طاقوية كبرى تربط المشرق بإفريقيا والمتوسط. والمغرب العربي يمتلك فرصة تاريخية ليصبح الجسر الصناعي والطاقوي بين أوروبا وإفريقيا إذا ما تمكن من تجاوز الانقسامات التي عطلت مشروع التكامل المغاربي لعقود طويلة.
إن العالم يتجه اليوم نحو تكتلات قائمة على أمن الغذاء والطاقة والمياه والبيانات والصناعة، لا على الشعارات السياسية التقليدية. ومن لا يمتلك القدرة على بناء شبكة مصالح إقليمية مترابطة سيجد نفسه مجرد ساحة تنافس للآخرين، لا شريكاً حقيقياً في صناعة النظام الدولي الجديد.
ولعل أخطر ما يواجه المنطقة العربية اليوم أن لحظة التحول العالمي تجري بسرعة كبيرة، بينما لا يزال جزء واسع من الخطاب السياسي العربي يناقش خرائط القرن الماضي وأزماته القديمة بعقلية رد الفعل لا بعقلية البناء للمستقبل.
الدروس المستفادة للمهتمين بالشأن العربي والإقليمي كثيرة، لكن أهمها أن عصر الدولة المعزولة يقترب من نهايته، وأن المستقبل سيكون للأقاليم القادرة على التكامل الاقتصادي والرقمي والطاقوي. كما أن الممرات الاقتصادية لن تكون ذات قيمة حقيقية إذا بقيت مجرد خطوط عبور للبضائع دون بناء صناعات ومناطق إنتاج وقيمة مضافة حولها. ويبدو واضحاً أيضاً أن الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بالمياه والغذاء والطاقة والبيانات والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. أما الدرس الأهم، فهو أن الجغرافيا العربية التي كانت لعقود ساحة صراع دولي، يمكن أن تتحول – إذا توفرت الرؤية والإرادة – إلى واحدة من أهم عقد الربط الاقتصادي والحضاري في العالم الجديد.