جفرا نيوز -
بقلم: رائد العورتاني
من المؤلم أن ينظر الإنسان اليوم إلى واقع الأسرة العربية فيجد أن ما كان يُحل بالأمس بكلمة طيبة أو جلسة صلح أو تدخل أهل الخير، أصبح ينتهي اليوم في أروقة المحاكم وبين ملفات القضايا والنزاعات والاتهامات المتبادلة.
لم تكن الحياة الزوجية في الماضي خالية من المشكلات، ولم يكن الرجال والنساء ملائكة لا يخطئون، لكن كانت هناك منظومة أخلاقية واجتماعية ودينية تحكم العلاقة بين الزوجين، تجعل الحفاظ على الأسرة هدفاً مشتركاً، وتجعل الصبر والتسامح والعشرة الحسنة جزءاً من ثقافة المجتمع.
أما اليوم، فقد أصبحنا أمام واقع مختلف يستحق الوقوف عنده بجدية ومسؤولية. فمعدلات الطلاق في ارتفاع، والخلافات الأسرية في ازدياد، والأبناء يدفعون الثمن الأكبر في معارك لا تنتهي بين الزوجين.
لقد نجح البعض في إقناع مجتمعاتنا بأن التقدم لا يكون إلا من خلال استنساخ التجارب الغربية بحذافيرها، وأن الحل يكمن في استيراد الاتفاقيات والنماذج الاجتماعية دون النظر إلى خصوصيتنا الدينية والثقافية. وهنا بدأ الخلل الحقيقي.
فالمرأة في الإسلام لم تكن بحاجة إلى اتفاقيات دولية كي تحصل على كرامتها وحقوقها، لأن الشريعة الإسلامية سبقت العالم كله في تكريمها وحفظ حقوقها المالية والاجتماعية والإنسانية. لكن ما حدث في بعض الحالات هو الانتقال من مبدأ العدالة بين الرجل والمرأة إلى حالة من الصراع بينهما، وكأن الأسرة أصبحت ميدان مواجهة لا شراكة حياة.
إن المشكلة ليست في منح المرأة حقوقها، فهذه الحقوق واجبة ومقدسة، بل في تحويل بعض التشريعات والممارسات إلى أدوات تخل بالتوازن الأسري، وتجعل طرفاً يشعر بأنه محاصر أو مستهدف أو فاقد للحماية القانونية الكافية. وعندما يشعر أي طرف بالظلم، فإن النتيجة الطبيعية تكون زيادة التوتر والاحتقان وانهيار الثقة داخل الأسرة.
ولا يمكن تجاهل أن هناك رجالاً ظلموا زوجاتهم وأساءوا استخدام السلطة داخل الأسرة، كما لا يمكن إنكار وجود رجال يرون أنفسهم اليوم ضحايا منظومة قانونية واجتماعية لا تنظر إلى معاناتهم بالقدر نفسه من الاهتمام. وبين هذين الواقعين تضيع الحقيقة وتضيع معها مصلحة الأسرة.
الأخطر من ذلك أن بعض المجتمعات الغربية التي يتم تقديمها كنموذج يُحتذى تعاني أصلاً من أزمات أسرية وأخلاقية عميقة، وتواجه تحديات تتعلق بتفكك الأسرة وتراجع الزواج وارتفاع نسب العزوف عنه. فهل من الحكمة أن نستورد الأزمات بدلاً من أن نستفيد من تجارب الآخرين بما يتناسب مع قيمنا وهويتنا؟
إن الأسرة ليست مشروعاً غربياً ولا شرقياً، بل هي فطرة إنسانية تقوم على التكامل لا الصراع، وعلى الحقوق والواجبات معاً، وعلى التوازن بين الزوج والزوجة لا على انتصار أحدهما على الآخر.
ومن أخطر النتائج التي تترتب على تفاقم النزاعات الأسرية والشعور بالظلم لدى أي من أطراف العلاقة الزوجية، أن بعض الأشخاص قد ينزلقون إلى سلوكيات عدوانية أو أعمال عنف مرفوضة قانوناً وشرعاً وأخلاقاً. وقد شهدت مجتمعاتنا في بعض الحالات حوادث مأساوية وصلت إلى الاعتداء الجسدي أو حتى جرائم القتل، نتيجة تراكم مشاعر الغضب والاحتقان واليأس وفقدان الثقة بإمكانية الوصول إلى حلول عادلة. ومع أن فهم الأسباب والدوافع وراء هذه الجرائم أمر ضروري لمعالجة المشكلة، إلا أن ذلك لا يمكن أن يشكل بأي حال من الأحوال تبريراً لها، فالعنف ليس حلاً، والظلم لا يُعالج بظلم آخر، بل إن هذه الوقائع تدق ناقوس الخطر بضرورة مراجعة المنظومة الاجتماعية والقانونية وتعزيز آليات العدالة والصلح والحوار قبل أن تصل الخلافات الأسرية إلى مراحل كارثية يدفع ثمنها الأبنآء.
ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة بين التشريعات، والمؤسسات التربوية، والإعلام، والنخب الفكرية، وكل من ساهم في إضعاف ثقافة الأسرة لحساب ثقافة الفردانية والصراع.
إن المطلوب اليوم مراجعة شجاعة لكل ما يهدد استقرار الأسرة، والعودة إلى جوهر الرسالة الإسلامية التي قامت على العدل والرحمة والمودة، لا على الظلم أو التسلط أو إلغاء حقوق أي طرف.
فالأسرة التي تهتز أركانها لا يخسر فيها الزوج أو الزوجة فقط، بل يخسر فيها المجتمع بأكمله، وتخسر الأجيال القادمة الأمن والاستقرار والقيم التي تبنى عليها الأوطان.
وإذا كنا نبحث فعلاً عن مستقبل أكثر أمناً لمجتمعاتنا، فإن البداية يجب أن تكون من حماية الأسرة، وإعادة التوازن إليها، وصناعة تشريعات تحقق العدالة للجميع دون إفراط أو تفريط، لأن انهيار الأسرة ليس قضية شخصية فحسب، بل قضية وطن ومجتمع وأجيال قادمة. فكل بيت يتصدع، وكل أسرة تتفكك، يترك أثراً عميقاً على النسيج الاجتماعي والاستقرار النفسي والاقتصادي، الأمر الذي يستوجب وقفة جادة ومسؤولة لإعادة الاعتبار لقيم المودة والرحمة والعدل التي قامت عليها الأسرة عبر التاريخ