جفرا نيوز -
عوني ذنيبات
كثيراً ما يُختزل الأردن في بعض القراءات السياسية إلى مجرد مساحة جغرافية تؤدي وظيفة محددة فرضها موقعها بين الأقاليم والدول، وكأن هذا الوطن لم يكن سوى نتاج ظرف تاريخي أو حاجة إقليمية مؤقتة. غير أن مثل هذه النظرة القاصرة تتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن الدول العظيمة لا تصنعها الجغرافيا وحدها، بل تصنعها الإرادة السياسية القادرة على توظيف الجغرافيا وتحويلها إلى مصدر قوة وتأثير.
لقد منح الموقع الجغرافي الأردن أهمية استثنائية في قلب المشرق العربي، لكن هذه الأهمية ما كانت لتترجم إلى دور سياسي فاعل لولا حكمة القيادة الأردنية وقدرتها على قراءة التحولات الإقليمية والدولية بعين الدولة الراسخة. فالأردن لم يقبل أن يكون مجرد منطقة عازلة أو ممراً للمصالح المتصارعة، بل عمل باستمرار على ترسيخ نفسه جسراً للتواصل بين الشعوب والدول، ومنصة للحوار في زمن الاستقطاب والانقسام.
وعلى امتداد عقود، أثبت الأردن أن دوره يتجاوز كثيراً حدود مساحته وإمكاناته الطبيعية. ففي الوقت الذي عصفت فيه الأزمات والحروب بدول المنطقة، بقي الأردن واحة استقرار وصوت اعتدال وعنواناً للعقلانية السياسية. واستطاع أن يحافظ على توازن دقيق بين ثوابته الوطنية والتزاماته العربية ومصالحه الاستراتيجية، دون أن يتخلى عن هويته أو يفرط بسيادته.
إن من يقرأ تاريخ الدولة الأردنية يدرك أن نجاحها لم يكن صدفة، بل نتيجة مشروع سياسي متكامل قادته القيادة الهاشمية منذ تأسيس الدولة. فقد نجحت في بناء نموذج يقوم على الاعتدال والانفتاح واحترام القانون، وفي تعزيز مكانة الأردن إقليمياً ودولياً حتى أصبح رقماً صعباً في معادلات المنطقة، تُحسب مواقفه وتُستشار قيادته وتُحترم رؤيته.
واليوم، ومع تسارع المتغيرات الإقليمية والدولية، يواصل الأردن أداء دوره الوطني والقومي بثقة ومسؤولية. فهو يدافع عن قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ويحمل رسالة الاستقرار والتعاون، ويسعى إلى بناء شراكات اقتصادية وتنموية تجعل من موقعه الجغرافي نقطة التقاء للمصالح المشروعة لا ساحة للصراعات.
إن الأردن ليس دولة هامشية صنعتها الجغرافيا، بل دولة صنعت من الجغرافيا فرصة، ومن التحديات قوة، ومن الاعتدال نهجاً، ومن الثبات على المبادئ عنواناً. ولهذا بقي وسيبقى وطناً أكبر من محاولات الاختزال، ودولةً يتجاوز تأثيرها حدود المكان بفضل قيادتها الهاشمية وشعبها المؤمن برسالته ووطنه ومستقبله.