اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الاستقلال الأردني في ذكراه الثمانين: سردية دولة صاغت مجدها من الإرادة وصنعت حضورها من ثقل التاريخ

الإثنين-2026-05-25 07:44 pm
جفرا نيوز -
بقلم: معن مصطفى العدوان

في الذكرى الثمانين لاستقلال الأردن، لا يقف الوطن عند حدود الاحتفال، بل عند التأمل في رحلة دولةٍ وُلدت في قلب العاصفة، ونجحت بإصرارٍ يُشبه المعجزة السياسية في أن تصوغ لنفسها مكانًا راسخًا بين الأمم ليست الثمانون عامًا مجرد عمر سياسي للدولة، بل هي مسار وُضعت أحجاره الأولى بالإيمان العميق بأن السيادة قرارٌ تُصنع كلفته بإرادة شعبٍ يعرف معنى البقاء، وبقيادةٍ تحمل ذاكرة التاريخ ووعي المستقبل ففي كل مرحلة من هذه العقود الثمانية، كان الأردن يكتب فصلًا جديدًا في كتابٍ صنعته الجغرافيا القاسية، وحمته الشرعية الهاشمية، وصقلته التجربة، حتى غدا دولةً تتجاوز مواردها المحدودة، وتُدهش العالم بقدرتها على النهوض كلما اشتدت الأزمات ومن هنا، فإن استعادة هذا النضج الوطني ليست استذكارًا للماضي، بل قراءة في بنية هوية سياسية أثبتت أنها قادرة على إنتاج القوة من رحم التحدي

بدأت رحلة الدولة مع الملك عبدالله الأول، الرجل الذي حمل مشروعًا أكبر من حدود الزمان والمكان لم يكن تأسيس الإمارة خطوة إدارية، بل كان فعلًا سياسيًا متقدمًا في لحظة مضطربة تهاوت فيها كيانات، وانكفأت مشاريع، وتصدعت خرائط في هذا المشهد، اختار المؤسس أن يُشيّد دولة تقوم على الانضباط المؤسساتي والشرعية الدستورية والهوية الجامعة أنشأ جيشًا وأدار دولةً حديثة، ووضع اللبنات الأولى لنسق سياسي يستند إلى المشاركة والتمثيل، فاتحًا الطريق نحو استقلال عام 1946 الذي لم يكن إعلانًا شكليًا، بل انتقالًا واعيًا من التبعية إلى السيادة كانت رؤية الملك عبدالله الأول أشبه بعقد اجتماعي غير معلن، يقوم على أن بقاء الدولة لا يتحقق إلا بوحدة المجتمع وثبات القيادة ورسوخ المؤسسات

ثم جاء عهد الملك طلال ليمنح الدولة عمقها القانوني عبر دستور 1952 الذي مثّل نقلة نوعية في العالم العربي آنذاك. لم يكن هذا الدستور نصًا جامدًا، بل كان فلسفة حكم تُرسّخ مبادئ الملكية الدستورية، وتعلي قيمة الحريات العامة، وتؤكد أن قوة الدولة تنبع من قانون محترم لا من سلطة منفردة وبفضله، انتقل الأردن إلى مرحلة دولة مؤسسات حقيقية، تدار بمرجعية قانونية واضحة تُحدد حدود السلطة وتحمي حقوق الشعب وتضبط آليات الممارسة السياسية وقد شكّل هذا الإنجاز حجر الزاوية في تماسك الدولة واستمراريتها

ومع تسلّم الملك الحسين بن طلال زمام الحكم، دخل الأردن أطول مراحل تكوين هويته الوطنية كانت العقود السبعة الماضية مليئة بالمنعطفات الكبرى، غير أن عهد الحسين تحديدًا كان فصل الصمود والنهضة المتدرجة وسط الحروب الإقليمية وتقلبات السياسة العربية والتحولات الاقتصادية، صمد الأردن بفضل حكمة الحسين وثبات رؤيته فقد أعاد بناء الجيش والمؤسسات بعد نكسة 1967، وأدار أصعب اللحظات التاريخية عام 1970 بمنطق الدولة لا منطق القوة، وحافظ على وحدة البلاد ومنعتها وفي عهده تحولت المملكة إلى مركز تعليمي وإداري واقتصادي في المنطقة، وتوسعت البنية التحتية، وتعزز حضور الأردن الدبلوماسي بوصفه صوت الاعتدال والعقلانية والدفاع الصلب عن فلسطين والقدس وفي نهاية عهده الطويل، كانت الدولة قد انتقلت من صراع البقاء إلى مشروع التطوير المستمر

وحين تسلّم الملك عبدالله الثاني بن الحسين الراية، لم يرث دولة مستقرة فحسب، بل إرثًا وطنيًا يتطلب تحديثًا مستمرًا يستجيب لعصرٍ يتغير بوتيرة غير مسبوقة وفي ظل تحديات اقتصادية إقليمية وعالمية وأزمات سياسية كبرى من تداعيات الربيع العربي إلى موجات اللجوء المتتابعة اختار الملك عبدالله الثاني طريق الإصلاح العميق بدل إدارة اللحظة أطلق مشروعات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وعمل على تعزيز سيادة القانون، وتطوير بنية تحتية حديثة، وتوسيع قاعدة التكنولوجيا والاتصالات، وإعادة صياغة دور الأردن في النظام الدولي من خلال دبلوماسية نشطة توازن بين الثوابت الوطنية ومقتضيات الواقع وفي عهده، ترسّخ الدور الأردني كدولة مؤثرة، ثابتة رغم العواصف، حاضرة رغم ضجيج الإقليم، تقود خطابًا عالميًا قائمًا على قيم الوسطية والاعتدال والدفاع عن القدس والقضية الفلسطينية وحماية الاستقرار الإقليمي

واليوم، في الذكرى الثمانين للاستقلال، يبدو الأردن أشبه بسردية مكتملة العناصر: دولةٌ صُنعت بإرادةٍ منفتحة على المستقبل، وترسّخت بهوية سياسية لا تهتز، وتطورت بمشروع إصلاحي يؤمن بأن التقدم عملية تراكمية طويلة لا تُبنى بالشعارات، بل بالعمل الهادئ والانضباط الوطني فالثمانون عامًا لم تكن مجرد أرقام، بل طبقات من التجربة، يتراكم فيها الإرث الهاشمي مع وعي المجتمع، وتتجسد فيها قوة الدولة كنتاجٍ لعقلانية القيادة وصلابة الشعب

وفي الختام، فإن استقلال الأردن ليس يومًا في الذاكرة، بل هوية مستمرة تُعاد كتابتها في كل جيل، ورسالة تُثبت أن الدول لا تُقاس بمساحتها ولا بثرواتها، بل بصلابة مشروعها وقدرتها على البقاء في عالمٍ لا يرحم المترددين ومع دخول المملكة عقدها التاسع من الاستقلال، يقف الأردن ثابتًا شامخًا، يصنع مجده بيده، ويمضي بثقة نحو مستقبل يليق بتاريخٍ لم ينكسر يومًا، وبدولةٍ أدركت منذ نشأتها أن السيادة ليست حدثًا يُحتفل به، بل مسارًا يُحمى ويُعمّق ويُورث للأجيال.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير