النسخة الكاملة

ثمانية وسبعون عامًا من النكبة…

الأحد-2026-05-17 10:51 am
جفرا نيوز -
محمد الأحمد

لا تزال النكبة، بعد ثمانية وسبعين عامًا، حاضرةً في الوعي العربي والفلسطيني لا بوصفها حدثًا تاريخيًا انقضى، بل باعتبارها واقعًا ممتدًا يتجدد كل يوم بصورٍ أكثر قسوةً ووحشية. فالمأساة التي بدأت عام 1948 لم تتوقف عند حدود التهجير الأول، ولا عند اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين من بيوتهم وقراهم، بل تحولت مع الزمن إلى حالةٍ مستمرة من النزيف الإنساني والسياسي والأخلاقي، حتى غدا الفلسطيني يعيش النكبة بوصفها زمنًا دائمًا لا ذكرى عابرة.

ثمانية وسبعون عامًا تعاقبت فيها الحروب والانتفاضات والاتفاقيات والانقسامات، بينما بقي الإنسان الفلسطيني يدفع الثمن الأكبر وحده. أجيالٌ كاملة وُلدت تحت الخوف، وكبرت على أصوات الطائرات والانفجارات، ثم ورثت لأبنائها ذاكرة اللجوء والحصار والموت. وفي المقابل، أخذت إسرائيل، بصورتها الحالية، تنزلق أكثر فأكثر نحو منطق القوة المجردة، حتى باتت الحرب لديها فعلًا يوميًا منزوع الرحمة، تُقاس فيه المعادلات بعدد الضحايا لا بعدالة القضية، وبحجم الدمار لا بقيمة الإنسان.

ولعل أكثر ما يثير المرارة اليوم أن العالم، الذي طالما تغنّى بحقوق الإنسان والعدالة والقانون الدولي، يقف عاجزًا أو متواطئًا أمام مشاهد القتل الجماعي التي يتعرض لها الفلسطينيون. فصور الأطفال تحت الأنقاض، والأمهات اللواتي يبحثن بين الركام عن بقايا أبنائهن، والمستشفيات التي تتحول إلى ساحات موت، لم تعد مجرد تفاصيل عابرة في نشرات الأخبار، بل أصبحت عنوانًا لعصرٍ فقد كثيرًا من حساسيته الأخلاقية. لقد بلغ العنف درجةً بات معها الفلسطيني لا يخشى فقط فقدان وطنه، بل فقدان حقه الأساسي في النجاة والحياة.

ومن هنا، فإن إعادة التفكير في الأولويات لم تعد ترفًا فكريًا أو انحرافًا عن جوهر القضية، بل ضرورة وجودية تفرضها قسوة الواقع. فبينما يبقى حق العودة حقًا ثابتًا لا يسقط بالتقادم، فإن حماية الدم الفلسطيني أصبحت اليوم أولوية لا تقل قداسةً عن أي شعار سياسي أو تاريخي. إذ لا معنى لأي انتصارٍ رمزي إذا كان ثمنه المزيد من المقابر والمجازر والمدن المدمرة. ولا قيمة لأي خطابٍ حماسي إذا كان الفلسطيني البسيط هو من يدفع وحده فاتورة الصراع المفتوح منذ عقود.

لقد آن الأوان للاعتراف بأن استمرار الحرب بوصفها قدرًا أبديًا لم يعد يخدم أحدًا، وأن تحويل القضية الفلسطينية إلى ساحة استنزاف دائم لم ينتج خلال العقود الماضية سوى المزيد من الكوارث الإنسانية والانهيارات الاجتماعية والنفسية. فالأمم لا تُبنى على الحداد المستمر، والشعوب لا تستطيع العيش إلى الأبد داخل دائرة الموت والخوف والكراهية. وحتى أكثر القضايا عدالةً قد تفقد بعدها الإنساني عندما يصبح الإنسان نفسه وقودًا دائمًا لها.

إن السلام، مهما بدا بعيدًا أو معقدًا أو حتى مستفزًا للبعض، يظل الخيار الوحيد القادر على إنقاذ ما تبقى من هذه الأرض المنهكة. وليس المقصود بالسلام هنا ذلك الاستسلام المهين أو التنازل عن الحقوق التاريخية، بل البحث عن صيغةٍ توقف هذا الانحدار الجماعي نحو الهاوية، وتحفظ للفلسطيني حقه في الحياة والكرامة والأمن قبل أي شيء آخر. فالقضية الفلسطينية لم تبدأ لتكون مشروع موت، بل كانت منذ بدايتها صرخة شعب يريد أن يعيش بحرية على أرضه.

ولعل أخطر ما أنتجته العقود الطويلة الماضية هو ترسيخ ثقافة الاعتياد على الدم. إذ أصبح القتل خبرًا يوميًا، وأصبحت صور الجثث تمرّ أمام العالم بسرعةٍ باردة، كأن الإنسان الفلسطيني فقد فردانيته وتحول إلى رقمٍ في إحصاءات الحرب. وهذه بالذات هي الهزيمة الأخلاقية الكبرى التي يجب مقاومتها؛ أن يعتاد الناس على المأساة إلى درجة فقدان الإحساس بها. لذلك فإن الدفاع عن الفلسطيني اليوم لا يكون فقط برفع الشعارات، بل أيضًا بالدفاع عن حقه في أن يعيش حياة طبيعية، وأن يذهب أطفاله إلى المدارس بدل المقابر، وأن يحلم بمستقبل لا تحدده الطائرات والدبابات.

إن التمسك بالحياة ليس ضعفًا، والسعي إلى إنهاء الحرب ليس خيانة، والبحث عن تسوية عادلة لا يعني التخلي عن الذاكرة أو الحقوق. بل ربما يكون أعظم أشكال الوفاء للقضية هو إنقاذ الإنسان الفلسطيني من هذا المصير المفتوح على الخراب الدائم. فالأوطان في نهاية المطاف لا تُقاس فقط بحدودها الجغرافية، بل بقدرتها على حماية البشر الذين يعيشون فيها.

وفي ذكرى النكبة الثامنة والسبعين، قد يكون السؤال الأكثر إلحاحًا ليس فقط: كيف نستعيد الأرض؟ بل أيضًا: كيف ننقذ الإنسان؟ كيف نوقف هذا السيل المستمر من الدماء؟ وكيف نمنح الأجيال القادمة فرصةً لتعيش خارج منطق الحرب الأبدية؟ تلك الأسئلة، مهما بدت مؤلمة، أصبحت اليوم أكثر واقعية وإنسانية من الاكتفاء بإعادة ترديد الشعارات ذاتها بينما يستمر الموت في حصد المزيد من الأرواح.

لقد دفعت فلسطين ثمنًا يفوق قدرة أي شعب على الاحتمال، وربما آن الوقت لأن تصبح قيمة الحياة نفسها جزءًا أساسيًا من جوهر النضال الفلسطيني، لا مجرد تفصيلٍ مؤجل إلى ما بعد نهاية الحرب. فحين يُصان الإنسان، يصبح الحديث عن الوطن ممكنًا، وحين تُحقن الدماء، يمكن للعدالة أن تجد طريقها أخيرًا بعيدًا عن رائحة الموت الثقيلة التي خيمت على هذه الأرض لعقود طويلة
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير