النسخة الكاملة

القرعان تكتب: أثر الغاء اتفاق "أوسلو" على الأردن

الأربعاء-2026-05-13 01:08 pm
جفرا نيوز -
د. دانييلا القرعان

منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، تشكّل مسار سياسي جديد في المنطقة قام على فكرة التفاوض التدريجي بين الفلسطينيين والإسرائيليين وصولاً إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش إلى جانب إسرائيل، وعلى أساس هذا المسار أُنشئت السلطة الفلسطينية، وتبدلت علاقات إقليمية كثيرة، وكان الأردن من أكثر الدول ارتباطاً بهذا التحول بحكم الجغرافيا والتاريخ والتركيبة السكانية والوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس، لكن الحديث المتكرر في إسرائيل عن احتمال إلغاء الاتفاق أو تجاوزه نهائياً لم يعد مجرد جدل سياسي عابر بل بات احتمالاً يثير قلقاً حقيقياً في المنطقة، وخصوصاً في الأردن، لأن انهيار أوسلو لا يعني فقط سقوط اتفاق سياسي بل انهيار كامل للفكرة التي قامت عليها التسوية منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

يرى الأردن في قيام دولة فلسطينية مستقلة مصلحة وطنية عليا وليس مجرد موقف تضامني، فوجود كيان فلسطيني على الأرض الفلسطينية يشكل حاجزاً سياسياً وديموغرافياً وأمنياً بين الأردن وإسرائيل، ويمنع عودة الطروحات القديمة التي تتحدث عن "الوطن البديل”، لذا، فإن أي خطوة إسرائيلية نحو إنهاء أوسلو وفرض سيطرة مباشرة على الضفة الغربية ستضع الأردن أمام تحديات معقدة، تبدأ بالضغط السياسي ولا تنتهي عند الهواجس الأمنية والديموغرافية، فإذا انهارت الاتفاقية بالكامل، قد تدخل الضفة الغربية مرحلة من فوضى سياسية وأمنية، خصوصاً إذا فقدت السلطة الفلسطينية دورها أو شرعيتها أو مصادر تمويلها، وهذا يعني احتمال تصاعد المواجهات المسلحة، وعودة العمليات العسكرية الواسعة، وربما اندلاع انتفاضة جديدة، مما قد ينعكس مباشرة على أمن الحدود الأردنية وعلى الاستقرار الإقليمي كله.

كما أن الأردن سيكون أمام ضغط متزايد للدفاع عن الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، خاصة إذا استغلت إسرائيل غياب الاتفاق السياسي لتغيير الوضع القائم في المدينة أو توسيع إجراء الضم والسيطرة، لهذا تبقى عمان شديدة الحساسية تجاه أي حديث عن إنهاء حل الدولتين أو إسقاط السلطة الفلسطينية.

أما السؤال الأهم فهو أين ستذهب السلطة الفلسطينية إذا انتهى أوسلو فعلاً؟ السلطة الفلسطينية وُلدت أصلاً من رحم الاتفاق، لذا فإن إلغاءه يضعها أمام أزمة وجودية، إما أن تستمر كإدارة محلية محدودة الصلاحيات تحت الاحتلال، وهو خيار يضعفها شعبياً وسياسياً، وإما تتجه إلى تغيير استراتيجيتها بالكامل.

أحد السيناريوهات المطروحة هو أن تعلن السلطة أن إسرائيل بإلغائها الاتفاق أصبحت تتحمل المسؤولية الكاملة عن الأراضي الفلسطينية باعتبارها قوة احتلال وفق القانون الدولي، وأنها لم تعد ملزمة بالتنسيق أو الالتزامات السابقة، وفي هذه الحالة قد تسعى السلطة إلى تحويل الصراع من نزاع على دولة قيد التفاوض إلى قضية حق سياسي وقانوني أمام المجتمع الدولي، والتحرك بقوة أكبر داخل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية ثم المطالبة باعتراف أوسع بالدولة الفلسطينية، ودعم فرض عقوبات وضغوط سياسية على إسرائيل، وتوسيع التحرك داخل المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة قضايا الاستيطان والحرب والانتهاكات في الأراضي المحتلة، وتدويل القضية بشكل أوسع أي بنقل مركز الثقل من مفاوضات ثنائية مباشرة إلى وسط الساحة القانونية والدبلوماسية الدولية، مستفيدة من التعاطف الدولي المتزايد مع الفلسطينيين في السنوات الأخيرة.

المشكلة الكبرى أن السلطة تعتمد مالياً وإدارياً على بنية نشأت في ظل أوسلو، بما في ذلك أموال المقاصة والتنسيق الإداري والأمني لذلك فإن أي انتقال إلى مرحلة جديدة سيكون مكلفاً وخطيراً وقد يهدد بحدوث فراغ سياسي وأمني كبير في الضفة الغربية، في النهاية، إن إلغاء أوسلو — إن حدث بصورة كاملة — لن يكون مجرد إعلان سياسي، بل نقطة تحول تاريخية قد تعيد تشكيل القضية الفلسطينية والمنطقة كلها، والأردن هنا سيكون في قلب هذه التحولات، لأنه الدولة الأكثر التصاقاً بتداعياتها السياسية والأمنية والإنسانية، ولأن استقرار الضفة الغربية بالنسبة لعمان ليس ملفاً خارجياً فقط بل جزء من الأمن الوطني الأردني نفسه، وهنا يبرز سؤال أخر، ما موقف الضامنون للإتفاق وهل بقى ضامنون أصلاً؟.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير