جفرا نيوز -
محمد الأحمد
لم تعد الديمقراطية، في كثير من دول العالم الثالث، ذلك العقد الأخلاقي الذي يربط الحاكم بالمحكوم، بل تحوّلت إلى ما يشبه بورصة سياسية، تُدرج فيها الحريات وتُسحب، لا وفق إرادة الشعوب، بل بحسب تقلبات المصالح وتوازنات القوة.
في هذه البورصة، لا تُقاس قيمة الأنظمة بقدر ما تمنح من حقوق، بل بمدى انسجامها مع خرائط النفوذ. ترتفع أسهم الحرية حين تلتقي مع تلك المصالح، وتهبط حين تصبح عبئًا عليها. وهكذا، تُختزل الديمقراطية إلى حالة مؤقتة، لا إلى حق دائم.
وحين حاولت بعض الشعوب أن تكسر هذه المعادلة، وجدت نفسها أمام فراغٍ قاسٍ؛ إذ لم يكن هناك بديل جاهز، ولا مؤسسات راسخة يمكن الاتكاء عليها. فالديمقراطية التي غابت طويلًا، لم تترك خلفها إلا هشاشةً سياسية، جعلت لحظة التغيير مرتبكة، وعرضة للانتكاس.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: السبب الذي دفع تلك الشعوب إلى الحراك، هو ذاته الذي أعاق قدرتها على استكماله. فغياب الديمقراطية لم يكن مجرد نقصٍ في الآليات، بل غيابًا للعدالة، وتآكلًا للحرية، وانسدادًا لأفق الحياة الكريمة. وحين جاء وقت التغيير، لم تجد المجتمعات أدواته.
لم يكن ذلك نتيجة الداخل وحده، ولا الخارج وحده، بل تداخلٌ معقد بين ضعف البنية السياسية، ومنظومة دولية لا ترى في الديمقراطية أولوية ثابتة. وفي ظل هذا التداخل، تبقى الحريات عرضة للإدراج والشطب، كما لو كانت سهمًا في سوق لا يملكه أصحابه.
إن الخروج من هذه الدوامة لا يكون بانتظار تحولات الخارج، ولا بالاكتفاء بتفسير كل شيء من خلاله، بل بإعادة بناء الداخل: وعيًا، ومؤسسات، وقدرة على فرض الحق بوصفه حقًا، لا منّة.
فالديمقراطية التي تُستعار، تُسحب. أما التي تُبنى من الداخل، فهي وحدها التي تبقى خارج منطق البورصة.