النسخة الكاملة

حتمية زوال الكيان

الأربعاء-2026-05-13 10:43 am
جفرا نيوز -
إسماعيل الشريف

كانت التجربة الصهيونية خطأً مأساوياً، وكلما انتهت أسرع كان ذلك أفضل للبشرية جمعاء. الفيلسوف اليهودي ياكوف رابكين.

قبل نحو عشرة أشهر نشرتُ في الدستور الغرّاء مقالاً بعنوان «إسرائيل على شفا الهاوية»، تناولتُ فيه رؤية أحد أبرز المؤرخين والفلاسفة اليهود، إيلان بابِه، الذي يجادل بحتمية زوال الدولة الصهيونية، مستنداً إلى قراءة تاريخية وفلسفية عميقة لمسارها ومآلاتها.

وإذا كان بابِه قد عالج فكرة الزوال من زاوية الاقتصاد والسياسة، فإن المؤرخ والفيلسوف اليهودي الكندي ياكوف رابكين الذي لا يقل شأناً عنه يتناول المسألة من منظور لاهوتي وأخلاقي، مؤكداً أن الكيان يعيش «وقته الضائع»، وأن مآله الحتمي هو الزوال.

رابكين مؤرخ يهودي وأستاذ فخري في التاريخ بجامعة مونتريال، عُرف بكتاباته النقدية للحركة الصهيونية من منظور ديني وأخلاقي وتاريخي؛ إذ يرى أن الصهيونية تمثل خروجاً على التعاليم اليهودية التقليدية وانحرافاً عن مسارها العقدي. ومن أبرز مؤلفاته كتاب «إسرائيل في فلسطين: الرفض اليهودي للصهيونية (Israel in Palestine: Jewish Rejection of Zionism)، وكتاب : ماذا تعني إسرائيل؟ (What Is Modern Israel?). وفي هذين الكتابين يبيّن أن فكرة الدولة اليهودية تمثل تناقضاً بيّناً مع القيم الربانية في التراث اليهودي، ويذهب إلى أن الصهيونية ليست سوى «فخٍّ مميت» لليهود وللمنطقة وللعالم بأسره. ويرى أن قيماً راسخة كالتسامح والأخلاق والتواضع قد أُزيحت لتحلّ محلها هوية قائمة على منطق القوة والبطش، تمجّد العدوان والعنف والغزو والإبادة، وتتعامل مع الثقافة اليهودية التقليدية بازدراء. وهو يلتقي مع بابِه في التأكيد على حتمية قيام دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين التاريخية، إذ إن الكيان في نظره إلى زوال لا محالة.

وينقل رابكين كيف صاغ فلاديمير جابوتنسكي، مؤسس ميليشيا «الإرغون» الصهيونية المسلحة، مشروع تحويل «اليِيد» أي يهود الأحياء الفقيرة في أوروبا الشرقية إلى ما سمّاه «العبري الجديد»، عبر تصور يقوم على قلب الصورة رأساً على عقب، إذ قال: «نقطة انطلاقنا أن نأخذ اليِيد النموذجي اليوم ونتخيّل نقيضه تماماً لأن اليِيد قبيح ومريض ويفتقر إلى اللياقة، سنمنح العبري جمالاً رجولياً. اليِيد مُداسٌ عليه وسريع الفزع، لذا ينبغي للعبري أن يكون فخوراً مستقلاً  اليِيد اعتاد الخضوع، وعلى العبري أن يتعلّم كيف يأمر».

ويرى رابكين أن فلسفة «العِرق المتفوّق» التي نظّر لها جابوتنسكي لم تكن معزولة عن سياقها الأوروبي، بل خرجت من رحم الفكر العنصري الذي ازدهر في تلك الحقبة، متأثرةً بأطروحات شخصيات مثل آرثر روبين، الذي دعا إلى «تطهير» العِرق اليهودي حتى قبل صعود النازيين إلى الحكم في ألمانيا.

أما في الجانب الديني، فيسعى رابكين إلى تفكيك المقولة التي تعتبر «أرض إسرائيل» وعداً إلهياً حصرياً لليهود، معتبراً هذا التأويل خروجاً عن تقاليد اليهودية الربانية التي لم تنظر قط إلى إقامة دولة قومية بوصفها واجباً دينياً. ويشدد على أن النصوص التلمودية تربط العودة الجماعية إلى الأرض بحدث مسياني مشروط بتحول روحي عميق، لا بمشروع سياسي حديث يُفرض بالقوة والسلاح. ويذهب، مستنداً إلى شواهد لاهوتية وتاريخية، إلى أن فلسطين لم تكن يوماً «أرضاً لليهود» بالمعنى القومي الحديث؛ فاليهود الذين تعود أصولهم إلى بلاد ما بين النهرين ومصر هاجروا إلى فلسطين، حيث يورد التلمود بوصفه المصدر الرئيس للاهوت اليهودي أن إبراهيم أُمِر بوحيٍ إلهي بأن يتفرق نسله في جهات الأرض الأربع، وألا يعودوا إليها عودةً جماعية قسرية قبل أن يتحقق التطهر الروحي. وبحسب هذا الفهم، ظلّ اليهود عبر القرون ينتظرون المجيء المسياني، لا مشروعاً سياسياً يُقام بالقوة.

فاليهود الأشكناز عاشوا في أوروبا منذ العهد الروماني، وتفاعلوا مع بيئاتهم حتى اندمجوا في نسيج الثقافة الأوروبية. وفي القرن التاسع عشر انخرط كثير منهم في التيارات الاشتراكية والشيوعية، وكانوا أعضاء في «البوند» العمالي اليهودي، الذي أكّد حقهم في الازدهار ضمن ثقافتهم الخاصة، والحفاظ على لغتهم (اليِيديش)، والنضال من أجل العدالة الاجتماعية في البلدان التي أقاموا فيها. لذلك، ما إن برزت الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر حتى قوبلت، في نظر كثير من اليهود، باعتبارها حركة رجعية ومغامرة برجوازية تتصادم مع مصالح الطبقة العاملة اليهودية. غير أن حدّة هذا الرفض تراجعت عقب الهولوكوست تلك الإبادة الجماعية التي عدّها الصهاينة فرصة مواتية للدفع بمشروع إقامة دولة في فلسطين إذ يرى رابكين أن قادة الحركة الصهيونية لم يقتصروا، في نظره، على عرقلة هجرة اليهود إلى بلدان أخرى خلال الحرب وبعدها، بل وظّفوا مأساة الهولوكوست لتعزيز الحضور اليهودي في فلسطين وترسيخ مشروعهم السياسي. بل ويذهب إلى أن مفارقة التاريخ تجلّت في التقاء بعض المعادين للسامية من النازيين مع الصهاينة عند نقطة هدف واحدة، وإن اختلفت الدوافع والوسائل؛ إذ «كان المعادون للسامية يسعون إلى التخلّص من اليهود، بينما أراد الصهاينة تجميعهم في الأرض المقدسة».

واليوم، بعد أكثر من قرن على الطرح الأول للأيديولوجيا الصهيونية على يد تيودور هرتزل عام 1896، تعاقبت قيادات الكيان من بن غوريون إلى بيغن وشارون وغيرهم، في مسار تصاعدي انتهى حتى اللحظة إلى أكثر حكومة يمينية وتطرّفاً ودموية في تاريخ الكيان. ويشير رابكين إلى أن وزراء أمثال سموتريتش وبن غفير ينتمون إلى تيار مسياني حديث يُعرف بـ«اليهودية القومية»، التي يصفها بأنها الأيديولوجيا الغالبة في أوساط المستوطنين؛ أولئك الذين يمارسون التضييق على الفلسطينيين، ويصادرون ممتلكاتهم، ويقتلونهم في الضفة الغربية، ويدفعون باتجاه سياسات تُفضي إلى تجويع الفلسطينيين في غزة.

يرى رابكين، ومعه عدد من مؤرخي التاريخ على شاكلته، أن البداية تكون بتفكيك السردية الصهيونية ذاتها، ثم بقراءة واعية لمسار التاريخ ومآلاته؛ ليخلصوا إلى أن الصهيونية مشروع عابر، محكوم عليه بالانحسار والزوال، كيفما نُظر إليه: اجتماعياً أو سياسياً أو اقتصادياً أو دينياً. وهم يجزمون بأن هذا الاستنتاج ليس أمنية عاطفية، بل نتيجة يستدلّ عليها من سنن التاريخ وتقلبات الأمم.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير