جفرا نيوز -
ماجد السيبية
قبل فترة، كنت أطلب من أحد الأبناء إحضار شيء بسيط من الغرفة. عاد بعد دقائق وقال إنه لم يجده. بعده بدقائق، ذهب أخوه الأصغر وأحضره بسهولة. الموقف يتكرر بأشكال مختلفة: واجب لا يكتمل، سؤال يُترك في الامتحان رغم معرفته، واستعجال في إنهاء أي مهمة. في كل مرة، يظهر نفس الانطباع: "قلة تركيز”.
هذا المشهد لم يعد حالة فردية، بل أصبح يتكرر في بعض من البيوت. ومع تكراره، نميل غالبًا إلى تفسير جاهز: الطفل مهمل أو غير جاد. لكن إذا حاولنا النظر بشكل أعمق، سنجد أن الصورة ليست بهذه البساطة.
الطفل اليوم يعيش في بيئة مختلفة تمامًا عما كنا نعرفه. يومه مليء بالمشتتات، وأولها الأجهزة الذكية. فيديوهات قصيرة، تنقل سريع، محتوى يتغير كل ثوانٍ. هذا النمط لا يمر مرور الكرام، بل يعيد تشكيل طريقة تفكير الطفل. يتعود على السرعة، وعلى التحفيز المستمر، ويصبح من الصعب عليه التكيف مع مهام تحتاج هدوءًا وصبرًا مثل الدراسة أو حل المسائل.
النوم أيضًا جزء من المشكلة. السهر لم يعد استثناء، بل أصبح عادة عند كثير من الأطفال، أحيانًا دون انتباه منا. والنتيجة تظهر في اليوم التالي: ذهن مرهق، واستيعاب أضعف، وتركيز يتلاشى بسرعة.
أما في البيت، فالنوايا الطيبة قد تعطي نتائج عكسية. أحيانًا نسهل الأمور أكثر مما يجب، نساعد بدافع الحرص، أو نتجنب الضغط حتى لا نزعج الطفل. لكن مع الوقت، يتعود على أن هناك من سيكمل عنه، فيضعف لديه الإحساس بالمسؤولية. وفي المقابل، التشدد الزائد لا يحل المشكلة، بل قد يجعل الطفل يتجنب المحاولة من الأساس.
ولا يمكن تجاهل دور المدرسة احيانا عندما يكون التعليم قائمًا على التلقين فقط، دون تفاعل أو تحفيز، فمن الطبيعي أن يفقد الطفل اهتمامه. الطفل بطبيعته فضولي، لكن هذا الفضول يحتاج إلى من يوجهه، لا أن يُكبح.
إذا جمعنا هذه العوامل معًا، سنفهم أن المشكلة ليست في الطفل وحده. نحن أمام بيئة كاملة تؤثر في سلوكه: نمط حياة سريع، استخدام مكثف للتكنولوجيا، توازن تربوي غير واضح، وتعليم يحتاج إلى تطوير.
الحل لا يكون بإلقاء اللوم، بل بتغييرات بسيطة لكنها مستمرة. تنظيم وقت النوم، تقليل الشاشات خاصة في المساء، وإعطاء الطفل مساحة لتحمل المسؤولية حتى لو أخطأ. تقسيم المهام يساعده على الإنجاز، ويقلل من شعوره بالضغط. والأهم من ذلك، أن يجد من يستمع له، لأن بعض التشتت قد يكون مجرد رسالة غير مباشرة.
في النهاية، التركيز ليس صفة ثابتة، بل مهارة تُبنى مع الوقت. وعندما ننظر للأمر بهذه الطريقة، سنكتشف أن ما نراه "مشكلة جيل” هو في كثير من الأحيان نتيجة طبيعية لبيئة تحتاج إلى إعادة توازن.