جفرا نيوز -
الدكتور عوني الذنيبات
دكتوراه ادارة اعمال (التسويق المصرفي)
ليس من الدقة اختزال المشهد بالقول إن البنوك "تتجاهل” تمويل المشاريع الإنتاجية عمدًا؛ لكنها عمليًا تنحاز إلى أنماط إقراض أسرع ربحًا وأقل مخاطرة، وهو انحياز يترك أثرًا واضحًا على بنية الاقتصاد الأردني ومسار نموه. في اقتصاد يحتاج إلى دفع عجلة الإنتاج وخلق فرص العمل، يصبح توجيه الائتمان مسألة تتجاوز الحسابات المصرفية الضيقة إلى سؤال تنموي أوسع: أين تذهب الأموال، ومن يستفيد منها؟.
تُظهر البيانات الصادرة عن البنك المركزي الأردني أن الائتمان يميل بصورة لافتة نحو القروض الاستهلاكية والخدماتية، مقابل حصة أكثر تواضعًا للقطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة. هذا الميل لا يحدث في فراغ؛ فالمشاريع الإنتاجية بطبيعتها أطول أجلًا وأكثر تعرضًا للتقلبات، وتحتاج إلى بيئة مستقرة وكلف تشغيل معقولة، في حين أن قروض الأفراد—المرتبطة برواتب ثابتة وضمانات مباشرة—توفر للبنوك دورة ربح أسرع ومخاطر موزعة. لكن ما يبدو خيارًا عقلانيًا على مستوى البنك، يتحول على مستوى الاقتصاد إلى اختلال في توجيه الموارد.
النتيجة الأولى لهذا الاختلال هي تباطؤ النمو. فوفق أدبيات البنك الدولي، لا يتحقق النمو المستدام إلا عبر استثمارات إنتاجية ترفع القيمة المضافة وتوسّع القاعدة التصديرية. عندما يضعف تمويل هذه الاستثمارات، تتراجع قدرة الاقتصاد على التوسع، ويستقر النمو عند مستويات متواضعة لا تكفي لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل. وهنا يظهر الأثر الثاني: البطالة. فالمشاريع الإنتاجية—خصوصًا الصغيرة والمتوسطة—هي الأكثر قدرة على خلق وظائف مستقرة، وعندما تُحرم من التمويل الكافي، تتقلص فرص التشغيل وتتزايد الضغوط الاجتماعية.
ولا يقف الأثر عند حدود النمو والتشغيل، بل يمتد إلى هيكل الاقتصاد نفسه. توجيه الائتمان نحو الاستهلاك بدل الإنتاج يعزز اقتصادًا يعتمد على الاستيراد أكثر مما ينتج، ويضعف تنوع الصادرات، ويزيد الضغط على الميزان التجاري والعملة الأجنبية. في المقابل، كان يمكن لتمويل موجّه للصناعة والزراعة أن يخفف هذه الاختلالات عبر توسيع القاعدة الإنتاجية ورفع القدرة التنافسية. هذا التحول في بنية الائتمان ينعكس أيضًا على توزيع الدخل؛ إذ تميل الشركات الكبيرة إلى الحصول على شروط تمويل أفضل، بينما تواجه المشاريع الصغيرة قيودًا أشد، ما يوسع الفجوة الاقتصادية ويحدّ من ديناميكية السوق.
على المستوى الجزئي، يجد رواد الأعمال أنفسهم أمام معادلة صعبة: أفكار قابلة للنمو، لكن تمويل محدود أو مرتفع الكلفة، وضمانات يصعب توفيرها. النتيجة هي تأجيل أو إلغاء مشاريع كان يمكن أن تتحول إلى قصص نجاح، وتراجع في الابتكار، واعتماد أكبر على التمويل الذاتي أو غير الرسمي. وفي الوقت ذاته، يتوسع الاعتماد على القروض الاستهلاكية كبديل لتعويض ضعف الدخل، ما يخلق حلقة مديونية لا تضيف طاقة إنتاجية للاقتصاد بقدر ما تؤجل الضغوط إلى المستقبل.
ومع ذلك، تحميل البنوك وحدها المسؤولية لا يقدّم الصورة كاملة. تقارير صندوق النقد الدولي تشير إلى أن سلوك الإقراض يتشكل أيضًا بفعل البيئة الاقتصادية: كلف طاقة مرتفعة، وإجراءات تنظيمية معقدة، وتقلبات في الطلب، وضعف في بعض دراسات الجدوى. هذه العوامل تجعل المخاطر في القطاعات الإنتاجية أعلى، وتدفع البنوك إلى التحفظ. لكن الإقرار بهذه القيود لا يلغي الحاجة إلى تصحيح المسار، بل يحدد أين يجب أن يبدأ الإصلاح.
المطلوب ليس إجبار البنوك على الإقراض، بل إعادة موازنة الحوافز وتقاسم المخاطر. برامج ضمان القروض، وتوسيع أدوات التمويل مثل رأس المال المخاطر، وتحفيزات ضريبية موجهة للإقراض الإنتاجي، كلها أدوات مجربة يمكن أن تقلص فجوة المخاطر. وبالتوازي، فإن تحسين بيئة الأعمال—من تبسيط الإجراءات إلى خفض كلف التشغيل—يخفض المخاطر من أصلها ويجعل تمويل الإنتاج خيارًا أكثر جاذبية. كذلك، فإن تعزيز الشفافية وتطوير معايير تقييم المشاريع يساعدان على توجيه الائتمان نحو الفرص الأكثر جدوى بدلًا من الاكتفاء بالرهانات السهلة.
الخلاصة أن توجيه الائتمان ليس مسألة فنية محضة، بل قرار يحدد شكل الاقتصاد خلال السنوات المقبلة. استمرار الانحياز نحو الاستهلاك يعني نموًا محدودًا، وبطالة أعلى، واعتمادًا أعمق على الخارج. أما إعادة توجيه جزء معتبر من التمويل نحو الإنتاج، فتمثل فرصة لتحويل المدخرات إلى طاقة اقتصادية حقيقية. بين هذين المسارين، لا يكفي توصيف المشكلة؛ المطلوب هو تغيير قواعد اللعبة بحيث يصبح تمويل الإنتاج خيارًا مربحًا للبنوك ومجديًا للاقتصاد في آن واحد.