النسخة الكاملة

الضغط الأقصى

الأحد-2026-05-03 10:16 am
جفرا نيوز -
إسماعيل الشريف

دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ / أبو نواس.

في الأسبوع الماضي، طرحت إيران مبادرةً للخروج من الأزمة، تقوم على إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، على أن تُستكمل لاحقاً بمناقشة ملفها النووي. وتوجّه وزير خارجيتها، عباس عراقجي، إلى باكستان، حيث كان من المقرر أن يلتقي بويتكوف وكوشنر، غير أن الرئيس ترامب ألغى رحلتهما إلى إسلام آباد، مما حال دون انعقاد اللقاء.

ولكن وسائل الإعلام الغربية لم تتحدث كثيرا عن هذه المبادرة، وانصرفت إلى إبراز ردّة فعل ترامب، الذي رفضها مهددا بتفجير البنية التحتية النفطية الإيرانية خلال ثلاثة أيام.

رفض ترامب لهذه المقترحات، جاء مدفوعاً بجملة من الاعتبارات، في مقدمتها أنه يواجه إيران بأداتها ذاتها. فمضيق هرمز، الذي ظل لسنوات ورقة إيران الاستراتيجية الأهم، تحوّل اليوم إلى نقطة ضغط عليها؛ إذ تعمل الولايات المتحدة على محاصرته وفرض هيمنتها على السفن الإيرانية، بعدما اعترضت البحرية الأمريكية قرابة 29 سفينة حتى الآن، وهو ما انعكس في تراجع حركة ناقلات النفط عبر المضيق إلى مستويات متدنية. وبما أن إيران تعتمد على الخليج العربي لتصدير نحو 90 % من نفطها، فإن تعطّل هذا المسار يعني خنق عائداتها النفطية، وما يستتبعه من توقف دعم الحلفاء، وتعثر دفع رواتب الحرس الجمهوري، وتجفيف منابع تمويل النظام.

أما السبب الثاني، فيكمن في أن المقترح الإيراني يسعى إلى معالجة أزمة هرمز أولاً، مع ترحيل ملف البرنامج النووي إلى وقت لاحق، بما يفتح الباب لإطالة المفاوضات لسنوات، على غرار ما فعلته كوريا الشمالية عام 1994، حين انتهى المسار إلى تحوّلها دولةً نووية. وهذه التجربة تحديداً هي ما استحضره ترامب عند نظره إلى الاتفاق الذي وقّعه باراك أوباما، فمزّقه، رافضاً تكرار السيناريو ذاته. ومن هنا بدا موقفه حاسماً: البرنامج النووي هو على رأس الأولويات للوصول الى اتفاقية سلام.

يستند الرئيس ترامب في تشدده إلى قناعة راسخة بأن إيران تمرّ بمرحلة ضعف غير مسبوقة، ما يمنحه، في تقديره، القدرة على فرض شروطه والوصول إلى الاتفاق الذي يسعى إليه. ومع ذلك، يظل هذا الرهان محفوفاً بإمكانية الفشل؛ فالفقر، في حدّ ذاته، لا يطيح بالأنظمة. وتجارب عدة تؤكد ذلك: فـكوريا الشمالية، رغم عقود من العقوبات التي قاربت بها حافة الانهيار، ما زالت صامدة، ولا يزال كيم جونغ ممسكاً بزمام الحكم. وكذلك الحال في كوبا، وفي العراق إبان حكم صدام حسين. بل إن إيران نفسها خاضت حرباً طويلة مع العراق امتدت لثماني سنوات، في وقت كان اقتصادها يترنح، ومع ذلك لم تنهَر.

وتُظهر دروس التاريخ أن الحصار، مهما اشتدّ، لا يُفضي إلى الثورات، بل كثيراً ما يعمّق نقمة الشعوب على الجهة التي تفرضه. وفي الحالة الإيرانية، تتجذّر هذه الحقيقة بوضوح؛ إذ لا تزال الذاكرة الجماعية تحتفظ بمرارة الانقلاب الذي دبّرته المخابرات الأمريكية والبريطانية ضد رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق في خمسينيات القرن الماضي، وما أعقبه من إعادة الشاه إلى السلطة. ولهذا ظلّ النظام الإيراني متماسكاً دون انشقاقات بارزة، وإن كانت الخلافات قائمة بين النخبة السياسية والمؤسسة العسكرية حول البرنامج النووي، الأمر الذي يدفع طهران إلى الفصل بين هذا الملف ومضيق هرمز في مقاربتها التفاوضية.

ويبني الرئيس ترامب رهانه على احتمال انهيار إيران سريعاً، غير أن كلفة الحصار بدأت ترتدّ إلى الداخل، مع تصاعد أسعار الوقود وتفاقم الأضرار التي لحقت بحلفائه الأوروبيين. وفي هذا السياق، أعلن إنهاء الأعمال العدائية ضد إيران، دون أن يُسقط من حسابه خيار اللجوء إلى القوة مستقبلاً. ويبدو أن هذا التصريح موجّه بالأساس إلى الكونغرس الأمريكي، في محاولة للالتفاف على متطلبات التفويض، وكأنه يبعث برسالة مفادها أنه لا يحتاج إلى غطاء تشريعي جديد للحرب. ومع ذلك، يواصل الإبقاء على القوات وسياسات الحصار والضغط، تاركاً الباب موارباً أمام استئناف المواجهة إذا ما أخلّت إيران بالهدنة أو شكّلت تهديداً للقوات الأمريكية.

هكذا ندخل طوراً جديداً من المفاوضات، يُرجَّح أن تتقدّم فيه الأطراف نحو تبادل التنازلات تمهيداً لاتفاق شامل يرتكز على تعطيل النشاط النووي الإيراني. ويراهن الرئيس دونالد ترامب على أن تشديد الحصار سيُفضي في النهاية إلى تحقيق مبتغاه، بينما تراهن إيران على أن الصمود بحد ذاته طريق إلى الانتصار. إنها مواجهة أشبه بلعبة شدّ الأصابع؛ لا يربحها إلا من يصمد أطول، ويخسرها من يصرخ أولاً. 

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير